اخصائي نفسيالأسبوع العربيمقالاتمنوعات

هل نحن نعيش… أم نُستهلك؟

هل نحن نعيش… أم نُستهلك؟

بقلم: خالد مراد

لم يعُد السؤال: كيف نعيش؟
بل أصبح: من الذي يعيش داخلنا؟

نظن أننا نختار،
لكن اختياراتنا مُعلّبة،
نظن أننا نريد،
لكن رغباتنا صُنعت لنا بعناية،
نظن أننا نسير نحو أهدافنا،
بينما نحن في الحقيقة نسير داخل مسارات رسمها غيرنا.

نحن لا نعيش الحياة كما هي،
بل كما تُعرض علينا.

أفكارنا ليست كلها لنا،
أذواقنا ليست بريئة كما نظن،
حتى أحلامنا… مرَّت على فلاتر المجتمع، والإعلام، والخوف، والتوقعات.

نرتدي ما يُقال إنه جميل،
نحب ما يُقال إنه يستحق الحب،
نخاف مما قيل لنا إنه مخيف،
ونجري… دون أن نسأل: إلى أين؟

المأساة ليست في القيود،
بل في اعتياد القيود حتى نظنها جزءًا من طبيعتنا.

أخطر أنواع السجون،
هي تلك التي لا جدران لها.

سجن الفكرة الواحدة،
سجن الصورة التي نُجبر أن نبدو عليها،
سجن المقارنات،
سجن أن نكون “نسخة ناجحة” بدل أن نكون “أصلًا صادقًا”.

صرنا نستهلك كل شيء…
الوقت، المشاعر، العلاقات، وحتى أنفسنا.

نستيقظ مرهقين،
لا لأننا عملنا كثيرًا،
بل لأننا نعيش أدوارًا لا تشبهنا.

نضحك حين يجب أن نظهر سعداء،
نصمت حين يجب أن نعترض،
نُجامل حين يجب أن نكون صادقين،
فنخسر أنفسنا قطعة قطعة… دون أن نشعر.

الإنسان لا يضيع فجأة،
بل يتآكل بهدوء.

تنازل صغير اليوم،
صمت بسيط غدًا،
مجاملة على حساب المبدأ،
خوف على حساب الحلم…

حتى يستيقظ ذات يوم ويسأل:
متى غادرتُ نفسي؟

الحياة ليست أن تبقى مشغولًا،
ولا أن تكون مقبولًا،
ولا أن تُصفّق لك الجموع.

الحياة أن تعيش وأنت تشبهك.

أن تقول “لا” حين تؤلمك “نعم”،
أن تخسر ما لا يليق بك،
لتربح نفسك.

القيمة الحقيقية للإنسان
ليست فيما يملك،
ولا فيما يظهر،
بل في مدى حضوره داخل حياته.

هل تشعر أنك تعيش يومك؟
أم أنه يمر عليك كضيف ثقيل؟
هل تختار؟
أم تُدفع؟

السؤال الأخطر ليس: من نحن؟
بل:
كم تبقى منا داخلنا؟

لأن أسوأ أشكال الموت…
أن تمشي بين الناس بجسدك،
بينما روحك مؤجلة،
وحياتك مؤجلة،
وحقيقتك… مؤجلة دائمًا “إلى وقتٍ مناسب”
لا يأتي أبدًا.

عِش كما لو أن روحك ستُحاسبك،
لا كما لو أن الناس سيراقبونك.
@

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى