اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفل

هل الصحة النفسية ضرورة أم رفاهية؟

هل الصحة النفسية ضرورة أم رفاهية؟

بقلم د/ رشا النواوي
سؤال قد يتبادر لأذهان كثير من الناس ففي ظل تسارع وتيرة الحياة وتعقيدات العصر الحديث، تبرز قضية الصحة النفسية كأحد أهم الموضوعات التي تثير الجدل في المجتمعات المعاصرة. يتباين النظر إليها بين اعتبارها ضرورة أساسية للإنسان كالغذاء والهواء، أو اعتبارها ترفاً ورفاهية مقصوراً على فئات معينة. هذا المقال سنجاوب هذا التساؤل وتقديم رؤية متوازنة.
الصحة النفسية: التعريف والأبعاد
الصحة النفسية حسب تعريف منظمة الصحة العالمية ليست مجرد غياب الاضطرابات النفسية، بل هي “حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة، والتكيّف مع حالات التوتّر العادية، والعمل بشكل منتج ومفيد، والإسهام في مجتمعه”. هذا التعريف الشامل يؤكد أن الصحة النفسية تتجاوز مجرد علاج الأمراض إلى تحقيق الرفاه والازدهار الإنساني.
أدلة على أن الصحة النفسية ضرورة أساسية
1. الترابط العضوي مع الصحة الجسدية
أظهرت الدراسات الطبية ارتباطاً وثيقاً بين الصحة النفسية والجسدية، حيث تساهم الضغوط النفسية المزمنة في:
• زيادة خطر أمراض القلب والأوعية الدموية
• إضعاف الجهاز المناعي
• تفاقم الأمراض المزمنة كالسكري والربو
2. الأساس للإنتاجية والإبداع
لا يمكن للإنسان أن يكون منتجاً أو مبدعاً وهو يعاني من اضطرابات نفسية غير معالجة. الصحة النفسية الجيدة تمثل أساساً للتعلم والعمل والإسهام المجتمعي الفعال.
3. سلامة العلاقات الاجتماعية
القدرة على تكوين علاقات سليمة والمحافظة عليها تعتمد بشكل أساسي على الصحة النفسية للأفراد، مما يؤثر على تماسك الأسرة والمجتمع ككل.
4. الوقاية من الاضطرابات الأكثر خطورة
الاهتمام بالصحة النفسية الوقائية يقلل من احتمالية تطور المشكلات البسيطة إلى اضطرابات معقدة تحتاج لتدخل مكثف.
الاعتبارات التي تجعل البعض يراها رفاهية
1. الأولويات المجتمعية المادية
في المجتمعات النامية أو بين الفئات محدودة الدخل، قد يبدو الاهتمام بالصحة النفسية ترفاً عندما تكون الاحتياجات الأساسية من مأكل ومسكن وعلاج جسدي غير مكفولة.
2. الوصمة الاجتماعية
ما زالت الصحة النفسية تحيط بها وصمة عار في مجتمعات كثيرة، مما يجعل الاهتمام بها يبدو اختيارياً وليس ضرورياً.
3. محدودية الموارد
ضعف البنية التحتية للصحة النفسية في كثير من الدول يجعل الوصول إليها صعباً، فيبدو وكأنها خدمة خاصة وليست حقاً أساسياً.
تحول النظرة العالمية: من الرفاهية إلى الحق الأساسي
تشهد السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في النظرة العالمية للصحة النفسية، حيث:
• أدرجت الصحة النفسية في أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة
• تضمنتها التشريعات الصحية في العديد من الدول كجزء من التغطية الصحية الشاملة
• ازداد الوعي بدورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية
تجاوز الثنائية: نحو نموذج متكامل
الحقيقة أن طرح السؤال “ضرورة أم رفاهية” قد يكون ثنائياً زائفاً، فالصحة النفسية تمثل سلسلة متصلة تبدأ بالضرورة القصوى (علاج الاضطرابات الخطيرة) وتمتد إلى الرفاهية (تحسين جودة الحياة وتحقيق الإمكانات). الفهم المعاصر يؤكد أن:
• الرعاية النفسية الأساسية حق إنساني وضرورة
• برامج تعزيز الصحة النفسية والوقاية استثمار مجتمعي ذو عائد عال
• الاهتمام بالصحة النفسية يساهم في تقليل الإنفاق الصحي على المدى الطويل
وهكذا يتضح لنا ان الصحة النفسية ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه، وليست مقصورة على النخب أو المجتمعات الغنية. إنها أساسية لرفاهية الفرد والمجتمع، وتؤثر على كل جوانب الحياة من الصحة الجسدية إلى الإنتاجية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي. الاعتراف بكونها ضرورة لا ينفي أهمية التدرج في تقديم الخدمات النفسية حسب أولويات واحتياجات كل مجتمع، مع العمل على تعميم الوصول إليها كحق أساسي من حقوق الإنسان. المستقبل يفرض علينا تبني نظرة شمولية ترى في الصحة النفسية حجر الزاوية للتنمية المستدامة والازدهار الإنساني.
وتذكر دائما صحتك النفسية أساس لحياتك السوية

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى