الثقافة والفنون

من أنا ؟؟؟

من أنا ؟؟؟

🖋/عماد سمير

حين أسأل هذا السؤال، لا أبحث عن إجابة، بل أقف أمام لغزٍ مفتوح، كأنني أحدّق في هاوية بلا قاع. فـ«الأنا» التي أبحث عنها هي في اللحظة نفسها التي أبحث فيها عنها، تتغيّر، تتبدّل، وتنزلق من بين مفاهيمي كما ينزلق الماء من بين الأصابع.

أأنا الجسد؟

وهل الجسد هو «أنا» حقًا، أم مجرد وعاء خامتُه من تراب، ووقته محدود، ومحكوم عليه بالذبول؟

كل خلية فيّ تتبدل، كل ذرة تتغير… فكيف أكون أنا، إذا لم يبقَ فيّ شيء كما هو؟

أأنا الذاكرة؟

ولكن الذاكرة انتقائية، تخون، تضيف، تحذف، وتلوّن الماضي بما يناسب حاضرها.

فإن كانت ذاكرتي زائفة جزئيًا، فهل تكون هويتي زائفة أيضًا؟

أأنا الوعي؟

لكن ما هو الوعي إلا مراقب يجلس في صمت خلف أفكاري؟

من يراقب المراقب؟

وعندما أقول: “أنا أفكّر”…

من هو هذا «الأنا» الذي يقف خلف الفكر ويشاهده وهو يفكّر؟

وهل يمكن للذات أن تدرك ذاتها دون أن تتحول إلى شيء آخر في لحظة الإدراك؟

أنا أشبه بنهرٍ يعتقد أنه ثابت،

بينما مياهه لا تتشابه في لحظتين.

اسمي هو ضفة،

وجسدي هو مجرى،

وأفكاري هي تيارٌ لا يتوقف،

فأين أنا في كل هذا؟

هل أنا حرّ… أم مجرد نتيجة لسلسلة أسباب لم أخترها؟

ميلادي، لغتي، وطني، ظروف نشأتي، ملامحي النفسية، مخاوفي، رغباتي…

كلها صُنعت قبل أن أعي نفسي.

فهل أنا من أختار… أم أنا ما اختير لي؟

إذا كنتُ أُعرّف نفسي من خلال اختياراتي،

فمن أين أتت قدرتي على الاختيار؟

وإذا كنتُ نتيجة الماضي،

فكيف يمكنني أن أتمرد عليه؟

أحيانًا أظن أنني مركز الكون،

وفي لحظة وعي أخرى أدرك أنني أقل من ذرة في صحراء الوجود.

فأيّ الصورتين أكثر صدقًا؟

وهل تكمن الحقيقة في التطرف…

أم في التناقض؟

ربما كان الخطأ كلّه في السؤال ذاته…

ربما “من أنا؟”

السؤال يحمل وهمًا بأن هناك «أنا» ثابتة، جوهرًا مستقرًا، تعريفًا نهائيًا…

بينما الحقيقة قد تكون أنني لست شيئًا محددًا…

بل عملية مستمرة من التغيّر، والتحوّل، والبحث.

أنا احتمال.

أنا سؤال يتجدّد.

أنا مسافة بين ما أظنه عن نفسي… وما أنا عليه في حقيقة لا أعرفها.

وربما…

حين أتوقف عن محاولة التعريف،

حين أقبل الغموض،

حين أحتضن اللايقين…

أكون حينها قد اقتربت من الإجابة أكثر من أي وقت مضى.

فأنا…

لست إجابة.

أنا السؤال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى