أدبالأسبوع العربي

مناقب التربية… بين الأمس واليوم، التربية الإيجابية.

مأمقب التربية… بين الأمس واليوم، التربية الإيجابية.

بقلم : إسماعيل أبوزيد

 

ولعلّي لا أنسى ذلك اليوم من طفولتي، حين هرولتُ هاربًا من يد أمي، تلك اليد التي لم تكن يومًا بطشًا، بل كانت تُريد أن تُعلّمني درسًا من دروس الحياة.

 

ركضتُ بأقصى ما أملك، وهي خلفي تُسابق أنفاسها، تزيد من سرعتها كلما شعرت بأن المسافة بيننا تتّسع. خرجنا من البيت، ثم إلى الشارع، وأنا أظنُّ أنني قد أفلتُّ، فإذا بها تلحقني عند آخر الطريق، تمسكني من قفاي، تعصره بيديها القويتين، وتقبض عليّ كما يُقبض على عصفور وقع في الفخ.

 

كنت أبكي وأصيح، أستعطفها وأستعطف المارّة، بينما هي لا تُعير أحدًا التفاتًا، تخفي تعبها من الركض الطويل، وتُداريه عني كي لا أمتلئ غرورًا بانتصارٍ لم يكتمل. كانت أمي خفيفة الجسد، رشيقة الخطى، واثقة أنها ستلحق بي، وقد فعلت.

 

وما إن وصلنا البيت حتى نالني ما نالني من الضرب الذي كانت ترى فيه تقويمًا لا انتقامًا. يبدو أنني يومها تلفظتُ بكلمات لا تليق بي طفلًا، ولا تُريد هي أن تراني أنطق بها رجلًا يومًا ما.

 

ولا أخفيكم: تألمت… لكنني تعلّمت. أدركت أنّ لكل شيء حدًّا ينبغي ألا يُتجاوز، وأنّ السلوك لا يستقيم من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى يدٍ تُهذّبه، وعينٍ ترعاه، وقلبٍ يُحبّه بما يكفي ليقسو حين يلزم الأمر.

 

لكن… هل نفعل نحن ذلك اليوم مع أبنائنا؟

لا أظن أننا نقدر.

 

فاليوم صارت «التربية الإيجابية» موضة، حتى غدت الأجيال في ميوعة، تتعلم نصف الدرس أو لا تتعلمه أصلًا، لا تعي حدود الأشياء، ولا تستشعر ضخامة العالم من حولها.

 

مناقب التربية... بين الأمس واليوم، التربية الإيجابية.
مناقب التربية… بين الأمس واليوم، التربية الإيجابية.

فهل بنينا نفوس أولادنا اليوم كما بُنيت نفوسنا، حجرًا فوق حجر، حتى يستقيم عودهم ويشتد؟

 

أم تركناهم تائهين في الأرض، لا يدرون من أين جاؤوا ولا إلى أين يمضون؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى