
مستقبل مصر.. يعيد رسم خريطة التنمية
كتب خالد مراد
في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وتنموية واسعة، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار الجمهوري رقم 328 لسنة 2026 بشأن تشكيل مجلس إدارة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وذلك عقب صدور القانون رقم 147 لسنة 2026 بإعادة تنظيم الجهاز.
واللافت هنا أن القرار لا يأتي باعتباره مجرد إجراء إداري لتسمية مجلس إدارة جديد، وإنما يأتي في توقيت تتسع فيه مهام جهاز مستقبل مصر، وتزداد أهمية ملفات الأمن الغذائي والمائي والطاقة والاستثمار وتعظيم الاستفادة من موارد الدولة.
الغنام في قيادة الجهاز..
ومجلس بخبرات متعددة
نص القرار على تشكيل مجلس الإدارة برئاسة الدكتور بهاء الدين محمد عبد الغني عبد المجيد الغنام، رئيس الجهاز، وعضوية مجموعة من الخبرات المتنوعة.
وضم التشكيل اللواء مهندس أمير سيد أحمد حسن خبيرًا في شؤون التخطيط العمراني،
والدكتور هاني عاطف نبهان سويلم خبيرًا في شؤون الموارد المائية والري،
والدكتور شريف محمد فاروق علي مصطفى خبيرًا إداريًا ومصرفيًا، وعلاء الدين فاروق زكي السيد خبيرًا إداريًا ومصرفيًا.
كما ضم المجلس الدكتور أحمد محمد توفيق رستم خبيرًا في التخطيط والتنمية الاقتصادية،
والدكتورة رشا عياد راغب خليل خبيرة في الإدارة والتسويق وتنمية القيادات،
والدكتور خالد سري محمود صيام خبيرًا اقتصاديًا وقانونيًا،
وعادل محمد عبد الشافي اللبان خبيرًا ماليًا ومصرفيًا.
وهنا تظهر الرسالة الأهم في تشكيل المجلس: التنمية لم تعد ملفًا زراعيًا منفصلًا، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تجمع الأرض والمياه والطاقة والتمويل والتخطيط والإدارة والاستثمار.
لماذا جاء القرار الآن؟
الإجابة تبدأ من القانون رقم 147 لسنة 2026، الذي أعاد تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة ووضع له إطارًا تشريعيًا جديدًا يتناسب مع اتساع نطاق المشروعات والأدوار المنوطة به.
وبالتالي يمكن قراءة القرار الجمهوري الجديد باعتباره الخطوة التنفيذية لاستكمال البناء المؤسسي للجهاز بعد إعادة تنظيمه قانونيًا.
فالقرار صدر بعد القانون، وليس بمعزل عنه، وهو ما يعني أن الدولة انتقلت من مرحلة وضع الإطار التشريعي إلى مرحلة تفعيل الهيكل الإداري الذي سيقود المرحلة المقبلة.
من الزراعة إلى منظومة اقتصادية متكاملة
جهاز مستقبل مصر أصبح مرتبطًا بملفات تتجاوز مفهوم استصلاح الأراضي التقليدي.
الهدف المعلن يرتبط بتنفيذ مستهدفات الدولة التنموية، وتعزيز قدرات الجهاز في مجالات التنمية المستدامة والأمن الغذائي والأمن المائي والطاقة وجذب الاستثمارات وتعظيم الاستفادة من الموارد والإمكانات الوطنية.
وهذه الملفات في حد ذاتها تكشف حجم المسؤولية.
فالأمن الغذائي يحتاج إلى أراضٍ ومياه وطاقة وبنية أساسية وتمويل وتسويق ولوجستيات.
والاستثمار يحتاج إلى إدارة اقتصادية ومالية وقانونية قادرة على تحويل الموارد والمشروعات إلى قيمة مضافة.
ومن هنا يصبح وجود خبرات مصرفية واقتصادية وقانونية وتسويقية إلى جانب خبرات التخطيط العمراني والموارد المائية أمرًا له دلالة واضحة.
الرسالة الاقتصادية الأبرز
الرسالة التي يمكن قراءتها من القرار هي أن الدولة تريد تعظيم العائد من أصولها ومواردها ومشروعاتها، وليس فقط تنفيذ المشروعات باعتبارها إنفاقًا حكوميًا.
وهنا يأتي مفهوم “تعظيم الاستفادة من الموارد والإمكانات الوطنية”.
أي أن الأرض ليست مجرد أرض، والمشروع ليس مجرد منشأة، والاستثمار ليس مجرد تمويل؛ وإنما المطلوب تحويل هذه العناصر إلى منظومة إنتاج تحقق عائدًا اقتصاديًا وتدعم الاقتصاد الوطني.
وهذا الاتجاه يتسق مع الإطار الجديد الذي وضعه قانون إعادة تنظيم الجهاز، والذي يستهدف تعزيز قدرته على إدارة المشروعات الاستراتيجية ودعم أهداف التنمية المستدامة.
الأمن الغذائي والمائي.. معادلة واحدة
ربط الأمن الغذائي بالأمن المائي والطاقة في إطار عمل واحد ليس تفصيلًا عابرًا.
مصر تواجه تحديات متشابكة: محدودية الموارد المائية، الحاجة إلى زيادة الإنتاج الزراعي، ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج، الحاجة إلى تقليل فاتورة الاستيراد، وفي الوقت نفسه ضرورة توفير الطاقة اللازمة للمشروعات.
ولهذا فإن وجود خبير متخصص في الموارد المائية والري داخل مجلس الإدارة، إلى جانب خبرات التخطيط والاقتصاد والتمويل، يعكس طبيعة الملفات التي سيعمل عليها الجهاز.
المياه هنا ليست ملف ري فقط، والزراعة ليست ملف إنتاج فقط، والطاقة ليست ملفًا منفصلًا؛ الثلاثة أصبحوا جزءًا من معادلة الأمن القومي الاقتصادي.
الاستثمار.. عنوان المرحلة المقبلة
من أكثر النقاط أهمية في القرار الإشارة إلى جذب الاستثمارات.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد اهتمامًا أكبر بتحويل بعض المشروعات والأصول والإمكانات إلى فرص استثمارية قادرة على جذب رؤوس الأموال.
وجود خبرات مصرفية ومالية واقتصادية وقانونية وتسويقية داخل مجلس الإدارة يمكن أن يساعد على بناء هذه المنظومة، خصوصًا أن المستثمر لا يبحث فقط عن الأرض أو المشروع، وإنما يبحث عن إطار قانوني واضح، وتمويل، وإدارة، ودراسة جدوى، وسوق، وسلاسل إمداد، وقدرة على تحقيق عائد.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟
المعنى الأوسع هو محاولة الانتقال من اقتصاد المشروعات إلى اقتصاد العائد من المشروعات.
فالمشروع القومي لا تنتهي مهمته عند افتتاحه، وإنما تبدأ مرحلة جديدة تتعلق بالتشغيل والإنتاج وتحقيق العائد وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات وتقليل الواردات.
وهنا يمكن أن يصبح جهاز مستقبل مصر واحدًا من الأدوات المهمة في هذه المعادلة خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع الإطار القانوني الجديد وتشكيل مجلس إدارة يجمع تخصصات مختلفة.
وماذا عن مجلس الإدارة والبدلات؟
القرار لم يكتفِ بتحديد أعضاء المجلس، وإنما نص أيضًا على حصول أعضاء مجلس الإدارة على بدل حضور وانتقالات عن جلسات المجلس أو لجانه الفرعية، وبدل سفر عن المهام الرسمية الخارجية المتعلقة بأعمال الجهاز، إلى جانب مكافأة سنوية.
والأهم أن منح هذه البدلات والمكافآت يكون بناءً على اقتراح رئيس الجهاز وموافقة رئيس الجمهورية.
وهذا يؤكد أن القرار وضع إطارًا واضحًا للجوانب التنظيمية والمالية الخاصة بمجلس الإدارة.
قراءة سياسية.. هل نحن أمام جهاز أكثر تأثيرًا؟
بعيدًا عن المبالغة في التوقعات، فإن المؤشرات الرسمية تقول إن الدولة تتعامل مع جهاز مستقبل مصر باعتباره كيانًا تنمويًا ذا نطاق واسع.
فالقانون الجديد أعاد تنظيم الجهاز، ثم جاء القرار الجمهوري بتشكيل مجلس إدارته، ليكتمل بذلك جانب مهم من البناء المؤسسي.
واللافت أن التشكيل لا يعتمد على تخصص واحد، بل يجمع التخطيط والري والاقتصاد والتمويل والمصارف والقانون والإدارة والتسويق.
وهذا يجعل من المنطقي توقع أن تكون المرحلة المقبلة أكثر تركيزًا على الإدارة الاقتصادية للمشروعات، وتعظيم العائد، وجذب الاستثمار، وربط الإنتاج بالأسواق والتصدير.
الخلاصة
قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي رقم 328 لسنة 2026 ليس مجرد قرار بتغيير أسماء داخل مجلس إدارة.
إنه يأتي في سياق أوسع بدأ بصدور القانون رقم 147 لسنة 2026 لإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ثم استكمال البناء المؤسسي بتشكيل مجلس الإدارة.
والرسالة الأوضح هي أن مستقبل مصر يدخل مرحلة جديدة عنوانها: الإنتاج، والاستثمار، والأمن الغذائي والمائي والطاقة، وتعظيم العائد من موارد الدولة.
أما التحدي الحقيقي، فلن يكون في تشكيل المجلس أو إصدار القوانين والقرارات، وإنما في ما سيُترجم على أرض الواقع من مشروعات منتجة، واستثمارات حقيقية، وفرص عمل، وزيادة في الإنتاج والصادرات، وتقليل في فاتورة الاستيراد.
وهنا ستكون نتائج السنوات المقبلة هي الحكم الحقيقي على نجاح هذه المنظومة.





