أخبار

مرآة مهشمة

مرآة مهشمة

مرآة مهشمة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

كينونة الإنسان في هذا الوجـود لا تتماهى مع الواقع في صورته الخام، فنحن لا نختبر الحياة كما هي في جوهرها المجرد، بل نختبرها عبر مصفاةِ إدراكنا، وضمن حدود وعينا الذي لا يعدو كونه مرآةً مهشمة. إن هذا الفهم الإنساني، بكل ما يحمله من قصور، يوزع الحقيقة شظايا مبعثرة؛ حيث يقف كل واحدٍ منا أمام كسرِه الخاص، يرمقُ فيه جانبًا ضيقًا من الحقيقة المطلقة، ثم يدَّعي واهمًا أنه قد أحاط بالحق كله. نحن أسرى زوايا النظر، وكل رؤيةٍ هي في جوهرها عجزٌ عن رؤية الكل.
​نمضي في دروب العمر مثقلين بوهم الإرادة، نخالُ أننا نصيغ أقدارنا بقراراتٍ محضَة، بينما الحقيقةُ تهمسُ بأنَّ معظم خياراتنا ليست سوى أصداءٍ خافتة لندوبٍ قديمة. إننا نتحركُ مدفوعين برهبةٍ لم نجرؤ على تسميتها، أو رغبةٍ بقيت حبيسة الكتمان ولم تجد لها في قاموس النطقِ اسمًا. إن المأساة الكبرى تكمن في أنَّ الإنسان كائنٌ يمشي نحو المستقبل بجسدٍ يتقدم، لكن بعينين لا تكفان عن التلفتِ إلى الوراء؛ فروحه مشدودةٌ بخيوطٍ خفية إلى ما مضى، معلقةٌ بأطلال الذكريات، وكأننا نسيرُ إلى الأمام لنبتعد عن شيءٍ يسكننا، لا لنصل إلى شيءٍ ينتظرنا.
​أما الوقت، فلا يمارس سطوته علينا في غفلةٍ مباغتة، بل يتسلل كاللص المحترف، يسرقنا ببطءٍ رتيبٍ وممل، حتى يوهمنا في خضمِّ هذا التدرج أننا لا نزال نقبضُ على ناصية الوجود. نغرقُ في فخاخِ التأجيل؛ نؤجل الكلمات التي كان يجب أن تُقال في لحظة صدق، نؤجل الأحلام التي تذبل في انتظار “اللحظة المناسبة”، ونؤجل ذواتنا الحقيقية إلى أجلٍ غير مسمى. حتى نستفيق ذات فجرٍ على حقيقةٍ مريرة: إنَّ التأجيل لم يكن انتظارًا، بل كان قرارًا بالهزيمة، وإن الصمت لم يكن عجزًا، بل كان موقفًا وجوديًا من الحياة.
​إنَّ أقسى ما يواجهه المرء في رحلته ليس وجع “الفقد” في لحظته الأولى، بل تلك الحالة المرعبة من “اعتياد الفقد”. أن نصل إلى مرحلةٍ يصبح فيها الغياب هو الأصل، واللقاء هو الاستثناء؛ أن تتحول خساراتنا الفادحة إلى أرقامٍ مجردة في سجلات الذاكرة، خالية من حرارة الوجع أو نبض المشاعر. هنا يبدأ الإنسان بالموت الحقيقي، حين يفقد القدرة على أن يتألم لخساراته.
ويأتي ​السؤال المسكوت عنه وجوهر الوعي
​وفي القاع السحيق من كل روح، يربضُ سؤالٌ وجوديٌّ مؤرق، يخشى الكثيرون حتى الهمس به: هل أنا القائدُ لهذه المسيرة، أم أنني مجردُ مؤدٍّ لدورٍ رُسمت معالمه بدقةٍ قبل أن أولد؟ إن النجاة الحقيقية تكمن في الجرأة على استنطاق هذا السؤال ومواجهته بصدورٍ عارية، بينما يختار السواد الأعظم من البشر السلامة الزائفة في متاهات التيه والهروب.
​ومع كل هذا التشتت، تظل الحياة كريمةً ومعطاءة، ليس تجاه أولئك الذين يتوهمون امتلاكها والسيطرة عليها، بل تجاه أولئك الذين يسعون لفهمها بصدقٍ وتواضع. فـالوعي الحقيقي لا يتجسد في ادعاء المعرفة أو امتلاك الأجوبة النهائية، بل في التصالح مع جهلنا المطلق، وفي امتلاك الشجاعة لمواصلة السير برغم الهشاشة الكامنة في أعماقنا. إنَّ في هذه الهشاشة يكمن المعنى، وفي استمرارية المحاولة تكمن الحياة في أبهى صورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى