
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
ذبُلت الأمنيات في صميم الروح، قبل أن تجد الأرض المناسبة لتنبُت فيها. وانكسر الحلم في لحظة التكوين الأولى، قبل أن تتسع الكلمات لصياغته. كل ذلك الصفاء الفطري، تناثر كالرماد في هواءٍ لا يُصغي ولا يُبالي.
ثم يأتي السؤال العالق، بمرارةٍ لاذعة: كيف يُقصى ويُهمَل هذا القلب الذي اختار الخِفّة، ونبذَ ثِقلَ المطالبةِ والإصرار؟ وكيف يُؤذى وجودٌ لم يُطلَب منه شيء، لم يُثقل كاهل أحد، بل كان في جوهره مجرّد احتمالٍ طيّبٍ نقيٍّ لم يُمنَح حتى فرصة التنفس ليصبح حلمًا؟
فكانَ جزاءُ براءته صمتًا ثقيلًا يبتلعُ الإشارةَ قبل أن تُفهم، وتجاهلًا باردًا يَمحو أثرَ وجوده الخفيّ. يُنسى كظلِّ سحابةٍ عابرةٍ لم تُسقط مَطرًا، ويُحاسبُ على خِفَّته وعدم حمله للعبء. وهكذا، يبقى السؤالُ مُعلَّقًا على حافةِ الجرح: هل كانَ واجبًا على النور الخافت أن يصرخ، لكي يُشاهَد في ظلمة العالم؟ أم أنَّ الخسارةَ تكمُنُ في كون العالم فقدَ القدرة على رؤية الجمال الذي يأتي بلا ضجيج.”
أم كانَ العالمُ يخشى تلك الخِفَّة، خوفًا من أن تُعَرِّي ثِقلَهُ وزيفَ مطالبه؟ يُقالُ إنَّ الأشياءَ الثمينةَ يجب أن تُكلِّفَ جهدًا وعناءً، لكنَّ هذا القلبَ النقيَّ جاءَ هبةً دون ثمنٍ، فعُوقِبَ على سهولةِ نوالِه. فاستحالَ النقاءُ عبئًا، وتحوَّلَ الصمتُ عن المطالبة إلى دليل إدانةٍ بالرضا والقبولِ بالغياب.
ويستمرُّ الجرحُ في العزفِ على وترٍ وحيدٍ: ما الذي يُبقي المرءَ حيًا حين تتبخَّرُ كلُّ احتمالاتِ وجودهِ الطيِّبة؟ لا يبقى سوى ذاكرةُ الصفاءِ المقتول، وحنينٌ مُبهَمٌ إلى ما كانَ يمكن أن يكون. يصيرُ الوجودُ رحلةً شاقَّةً بينَ أطلالِ أمنيةٍ لم تكتمل، وصدى حُلمٍ لم يُنطَق. يُصبحُ القلبُ كهفًا مهجورًا، تُسقِطُ فيهِ الرياحُ الباردةُ حِكمتَها القاسية: “قد لا يكونُ الجمالُ بلا ضجيجٍ خسارةً للعالم، بل قد يكونُ العالمُ هو الخسارةُ الأبديَّةُ للجمالِ الذي اختارَ السكون.”
وهكذا، في زاويةٍ قصيَّةٍ من الروح، لا تزالُ خيوطُ الأملِ الواهنةِ تنتظرُ فجرًا لا يخذلُ الخِفَّة، وشمسًا تُشرِقُ على القلوبِ التي لم تُثقِلها المطالب، لعلَّها تجدُ أخيرًا أرضًا تَليقُ بها.





