الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

ليست كل شجرة تصلح للتشجير

ليست كل شجرة تصلح للتشجير
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

حين نتحدث عن زراعة الأشجار فى مصر. فنحن لا نتحدث عن مجرد إضافة لون أخضر إلى الشوارع والميادين. نحن نتحدث عن مشروع بيئى وحضارى طويل الأجل. ولذلك فإن نجاح مشروعات التشجير لا ينبغى أن يقاس بعدد الشتلات التى جرى غرسها فقط. وإنما بقدرتها على البقاء والنمو وتحقيق الوظيفة التى زُرعت من أجلها.

وقد أطلقت الدولة المصرية بالفعل المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة، وبدأ تنفيذها فى العام المالى 2022/2023 على مدى سبع سنوات. بمشاركة وزارة التنمية المحلية والمحافظات ووزارتى البيئة والإسكان والمجتمعات العمرانية. وأعلنت الجهات الرسمية تنفيذ مراحل من المبادرة وزراعة ملايين الأشجار بالفعل. وهذا يؤكد أن المشروع قائم ويتم تنفيذه على مراحل. وليس مشروعاً إنتهى بالكامل حتى الآن.

ومن هنا أرى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى قدر كبير من الإهتمام بإختيار أنواع الأشجار التى ستُزرع. فالقضية ليست فى الوصول إلى الرقم المستهدف فقط. وإنما فى أن تتحول الأرقام إلى أشجار حقيقية تعيش فى شوارعنا ومياديننا وتمنح المواطن ظلاً وخضرة وجمالاً وفائدة بيئية لسنوات طويلة.

وهنا أطرح هذا التساؤل من واقع الخبرة الزراعية. هل كل نبات يصلح للزراعة يمكن أن يؤدى بالضرورة وظيفة شجرة الشارع؟ وهل الهدف أن نرى صفوفاً من النباتات الخضراء فقط؟ أم أن الهدف الأهم هو أن نصنع شوارع أكثر ظلاً وأقل حرارة وأجمل منظراً وأكثر راحة للمواطن؟.

ومن النقاط التى تستحق الدراسة إستخدام نخيل بريتشارديا. وهو نخيل زينة له قيمة جمالية معروفة فى تنسيق المواقع. لكن طبيعته تختلف عن الأشجار عريضة التاج التى تمتد فروعها أفقياً وتكوّن مظلة خضراء واسعة. كما أن بريتشارديا لا يحقق الكثافة الخضراء والظل الواسع اللذين يمكن أن توفرهما أنواع عديدة من الأشجار ذات التيجان العريضة. كما أن نموه يحتاج إلى فترة طويلة حتى يصل إلى الحجم الذى يمكن أن يقدم معه فائدة ظل واضحة للمواطن.

ولذلك فإننى لا أقول إن نخيل بريتشارديا غير صالح للزراعة. فهذا حكم مطلق لا يستقيم مهنياً. وإنما أقول إن إختيار النوع النباتى يجب أن يرتبط بالوظيفة المطلوبة من الموقع. فإذا كان الهدف جمالياً بالدرجة الأولى. فقد يكون نخيل الزينة مناسباً. أما إذا كان الهدف توفير ظل كثيف وخضرة واسعة فى فترة زمنية معقولة. فقد تكون الأشجار سريعة النمو وواسعة التاج أكثر ملاءمة لهذا الغرض.

وهنا تحديداً يجب أن نضع فارقاً مهماً بين شجرة للزينة وشجرة للظل. فليس كل نبات أخضر يستطيع أن يعوض المواطن عن الشجرة التى تمتد أغصانها فوق رأسه وتحميه من حرارة الشمس. وليس كل منظر أخضر يعنى بالضرورة أن المدينة أصبحت أكثر ظلاً.

لدينا فى البيئة المصرية أنواع عديدة يمكن الإستفادة منها وفق طبيعة كل موقع. ومن بينها البونسيانا التى تتميز بتاج واسع وأزهار جميلة. وهناك اللبخ المعروف باسم (دقن الباشا) والذى يمكن أن يوفر تاجاً واسعاً وظلاً جيداً فى المواقع التى تسمح بمساحة نمو كافية. وهناك الجاكرندا ذات الأزهار البنفسجية المميزة. كما يمكن الاستفادة من أنواع مناسبة من الأكاسيا والتيكوما وغيرها. على أن يتم الإختيار وفق طبيعة الموقع والتربة وإحتياجات المياه والمسافات المتاحة للنمو.

لكننى أرى أن الأهم من مجرد ذكر أسماء الأشجار هو أن تكون هناك خريطة تشجير لكل شارع وطريق وجزيرة وسطى وميدان. فالشجرة التى تصلح لجزيرة وسطى واسعة ليست بالضرورة مناسبة لرصيف ضيق. والشجرة ذات التاج الكبير قد تكون ممتازة فى شارع واسع أو حديقة. لكنها تحتاج إلى مسافات محسوبة عن المبانى والمرافق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف.

وهنا تظهر أهمية التخطيط قبل الزراعة. لا يكفى أن نقول إن ملايين الأشجار قد زُرعت. السؤال الأهم هو. كم شجرة منها ستبقى بعد عامين؟ وكم منها سيصل إلى مرحلة الظل الحقيقى؟ وكم منها سيصبح جزءاً مستقراً من النسيج الحضرى؟.

إن تكلفة الشتلة ليست هى التكلفة الحقيقية للشجرة. التكلفة الحقيقية تبدأ من إنتاجها ونقلها وزراعتها وريها وحمايتها وتقليمها وصيانتها حتى تصبح شجرة مكتملة قادرة على أداء وظيفتها. ولذلك فإن إختيار نوع سريع النمو ومتوافق مع ظروف المكان قد يكون أكثر جدوى من إختيار نوع يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يحقق الغرض المطلوب.

ومن المهم أيضاً ألا ننظر إلى سرعة النمو وحدها بإعتبارها المعيار الوحيد. فالشجرة الناجحة فى المدينة يجب أن تجمع بين سرعة النمو النسبية وقوة التحمل وكثافة المجموع الخضرى وجمال الشكل وقلة الإحتياج إلى المياه. كما يجب أن تكون جذورها مناسبة للموقع. وأن تتحمل الحرارة والظروف الحضرية. وأن يكون حجم تاجها مناسباً للمساحة التى ستنمو فيها.

وقد يكون من المفيد أن تضع الجهات التنفيذية دليلاً علمياً واضحاً لإختيار الأشجار قبل تنفيذ مشروعات التشجير. يتضمن نوع التربة. ومساحة الموقع. وعرض الرصيف. ووجود شبكات المرافق. وإرتفاعات المبانى. وطبيعة حركة المشاة والسيارات. وإحتياجات المياه. وسرعة النمو. وحجم التاج عند إكتمال الشجرة. ودرجة تحمل الحرارة والجفاف. ومقدار الظل المتوقع منها.

كما يجب ألا تنتهى مهمة الجهة المنفذة بمجرد وضع الشتلة فى الأرض. فالشجرة الجديدة كائن حى يحتاج إلى رعاية فى سنواته الأولى. والرى المنتظم. والتقليم الصحيح. والحماية من التلف. والمتابعة المستمرة. كلها عوامل تحدد ما إذا كانت الشتلة ستتحول إلى شجرة حقيقية أم ستظل مجرد محاولة زراعة لم تكتمل.

إن المواطن المصرى لا يحتاج إلى شجرة للزينة فقط. هو يحتاج إلى شجرة يشعر بظلها حين ينتظر سيارة. ويجلس تحتها حين يرهقه الطريق. ويراها خضراء أمام منزله. ويستمتع بأزهارها حين يأتى الربيع. ويرى فيها إمتداداً للحياة داخل مدينة تزداد حرارتها عاماً بعد عام.

ولذلك فإننى لا أدعو إلى نوع واحد من الأشجار. ولا أرى أن البونسيانا وحدها هى الحل. ولا أن اللبخ أو الجاكرندا أو الأكاسيا أو غيرها يمكن أن تكون مناسبة لكل شارع. الحل الحقيقى هو التنوع المدروس. شجرة للظل هنا. وشجرة للزينة هناك. ونوع دائم الخضرة فى موقع يحتاج إلى خضرة مستمرة. ونوع مزهر فى شارع يسمح بتاجه الواسع. ونوع يتحمل الجفاف فى المواقع التى يصعب توفير المياه لها.

إن المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة فرصة كبيرة لإعادة تشكيل وجه المدن المصرية وزيادة نصيب المواطن من المساحات الخضراء. لكن نجاحها الحقيقى لن يكون فى عدد الشتلات التى تدخل دفاتر التنفيذ فقط. وإنما فى عدد الأشجار التى تنجح فى البقاء والنمو وتتحول إلى مظلات خضراء حقيقية يستفيد منها المواطن والبيئة والمدينة.

ولذلك فإن السؤال الذى ينبغى أن يرافق كل شجرة جديدة ليس فقط. (كم شجرة زرعنا؟). وإنما السؤال الأهم. (ماذا نريد لهذه الشجرة أن تكون بعد عشر سنوات؟).

فالشجرة ليست رقماً فى تقرير. وليست مجرد شتلة توضع فى حفرة ثم تُترك لمصيرها. الشجرة مشروع طويل الأجل. وإذا أحسنا إختيارها وزراعتها ورعايتها. فسوف تتحول عملية التشجير من مجرد زيادة فى عدد الأشجار إلى إعادة بناء حقيقى للمشهد الحضرى المصرى.

شوارع أكثر خضرة. وأماكن أكثر ظلاً. وهواء أفضل. ومشهد جمالى يليق بالمدن المصرية. والأهم من ذلك. أن يشعر المواطن بأن الشجرة التى زُرعت أمامه لم تكن مجرد تنفيذ لرقم مستهدف. وإنما كانت إختياراً واعياً لشجرة ستعيش معه ومع أبنائه سنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى