
لماذا يخاف الناس من الشفاء؟
بقلم ماريان عماد
أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك
قد يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى؛ فالشفاء حلم يتمناه كل من ذاق الألم، وكل من حمل جرحًا نفسيًا أو تجربة موجعة. لكن الواقع يقول إن كثيرين، عن وعي أو دون وعي، يخافون من الشفاء أكثر مما يخافون من الألم نفسه. فكيف يمكن أن يتحول الشفاء من هدف إلى مصدر قلق؟
أحد أهم أسباب الخوف من الشفاء هو الألفة مع الألم. فالألم، رغم قسوته، يصبح مع الوقت منطقة مألوفة. نعتاد الحزن، نعرف شكله وحدوده، ونتعلم كيف نتعايش معه. أما الشفاء، فهو أرض جديدة مجهولة، لا نعرف كيف نكون فيها، ولا من سنصبح بعدها. الإنسان بطبعه يخشى المجهول، حتى لو كان هذا المجهول أفضل مما اعتاد عليه.
سبب آخر عميق هو أن الألم أحيانًا يتحول إلى جزء من الهوية. حين يعرّف الإنسان نفسه من خلال معاناته: “أنا المجروح”، “أنا الضحية”، “أنا الذي مرّ بكل هذا”، يصبح الشفاء تهديدًا لهذه الهوية. فلو شُفي، من سيكون؟ وماذا سيحكي عن نفسه؟ هنا يظهر الخوف من فقدان الذات، لا من فقدان الألم.
كما أن الشفاء يعني تحمّل المسؤولية. فالألم يمنحنا أحيانًا مبررًا للتوقف، للانسحاب، أو لعدم الإقدام على خطوات جديدة. أما الشفاء، فيضعنا وجهًا لوجه أمام الحياة: قرارات، علاقات، أحلام مؤجلة، ومواجهة مباشرة مع الواقع. ليس الجميع مستعدًا لهذه المواجهة.
وهناك أيضًا الخوف من تكرار الجرح. فبعض الناس يفضلون البقاء في ألم معروف على أن يغامروا بالشفاء ثم يتألموا من جديد. كأن النفس تقول: “الألم الحالي موجع، لكنه مضمون، أما الشفاء فقد يعقبه سقوط آخر”. هذا الخوف يجعل الشخص يتمسك بجرحه كوسيلة حماية، لا كعبء.
ولا يمكن إغفال دور الذنب؛ فالبعض يشعر، دون وعي، أنه لا يستحق الشفاء. ربما لأن آخرين لم يشفوا، أو لأن الألم أصبح عقابًا ذاتيًا على أخطاء قديمة. فيتحول الشفاء إلى شعور بالخيانة: خيانة للذاكرة، للأشخاص، أو للتجربة نفسها.
لكن الحقيقة الأعمق أن الشفاء لا يعني إنكار ما حدث، ولا محو الألم من الذاكرة. الشفاء يعني أن نتوقف عن العيش داخل الجرح، وأن نسمح له بأن يصبح قصة من الماضي، لا سجنًا للحاضر. هو انتقال من البقاء إلى الحياة، ومن التحمل إلى الاختيار.
الخوف من الشفاء مفهوم، وإنساني، لكنه ليس قدرًا. فخلف هذا الخوف، هناك ذات تنتظر أن تُرى من جديد، وحياة أكثر اتساعًا مما نتصور. الشفاء ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية.





