أدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتنثر

كل المواساة كاذبة

صرخة في وجه الفراغ: عندما تصبح كل المواساة كاذبة

بقلم باهر رجب

في قاعة العزاء المزدانة بالسواد، تتراقص كلمات التعزية كالفراشات الميتة. “البقاء لله”، “انتقل إلى رحمة الله”، “الصبر الجميل”. عبارات تتدفق بسهولة، تتناقل بالألسن كأنها سلعة مجانية، بينما يجلس المتألم في وسط هذا الطوفان اللفظي، يشعر وكأنه يغرق في صحراء من العزلة.

هذه ليست مجرد استعارة أدبية، بل هي الصرخة التي يطلقها من مر بتجربة الفقدان الأليمة: “كل المواساة كاذبة”. إنها ليست اتهاما للنوايا، بل وصفا للهوة السحيقة بين ما يقال وما يحس.

العزلة داخل دائرة الاهتمام

“أنا من خضت هذا، أنا وحدي أعرف مقدار الألم”، بهذه الكلمات – جوهر المعاناة. تقول: “يأتون إليك بأعين دامعة، يضمونك، يهمسون بكلمات اعتادوا تردادها. وفي داخلك، تعرف أن بعضهم صادق، بعضهم حزين لك، لكن لا أحد قادر على عبور الجسر إلى عالمك الموحش. تبتعد سياراتهم عن الباب، وتعود إلى صمتك، إلى ألمك الذي لا يشاركك فيه أحد”.

المفارقة المؤلمة تكمن في أن عملية المواساة الاجتماعية نفسها قد تتحول إلى عبء إضافي. على المتألم أن يدير مشاعره الخاصة، وفي نفس الوقت يدير مشاعر الآخرين، يطمئنهم، يبتسم لهم ابتسامة الشكر، يتلقى نصائح لم يطلبها، ويستمع إلى حكايات مماثلة كأن ألمه صار مقارنة أو مسابقة.

 

كلمات جاهزة في علب مغلقة

“مجتمعنا طور طقوسا للمواساة، لكنه في كثير من الأحيان أهتم بتطوير لغة التعاطف الحقيقية. الكلمات الجاهزة تصبح درعا يحمي الناس من مواجهة الألم الهائل للآخر، من الاعتراف بعجزهم عن إصلاح الكسر. المواساة الحقيقية تتطلب شجاعة للجلوس في صمت مع الألم، لقبول أن بعض الجروح لا ضماد لها”.

حين يتحول التعاطف إلى أداء

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، اكتسبت هذه الظاهرة بعدا جديدا. تحولت التعازي أحيانا إلى “أداء اجتماعي”، حيث يعلن عن المواساة علنا، تقاس بكمية التعليقات وعدد الإعجابات. “الأصدقاء الحقيقيون كانوا قلة، والذين لم يقولوا ‘اصبر’ بل قالوا ‘نحن هنا عندما تحتاج أي شيء، حتى لو كان الصراخ بلا سبب'”.

هذا لا يعني أن كل المعزين متهمون بالنفاق، لكن النظام الاجتماعي يخلق أحيانا ثقافة “المواساة السريعة”، كأن الألم قضية يمكن حلها بكلمات مطمئنة، ثم ننتقل لشؤوننا. بينما الألم الحقيقي لا يختفي بخطاب، بل يحتاج إلى رفيق في الرحلة، لا إلى من يمسح الدمع ثم يمشي.

 

البحث عن معنى في عالم بلا كلمات

ربما تكمن المشكلة في سعينا الدائم إلى “إيجاد معنى” للمأساة، لتقديم تفسير يريحنا. “القدر”، “الاختبار”، “المشكلة ومافيها خير”. كلها محاولات لطمأنة أنفسنا بأن العالم منطقي، بينما للمتألم الحق في رفض هذا المنطق، في الصراخ بأن الخسارة لا معنى لها، وأن الألم غير عادل ببساطة.

تقول الفلسفة الوجودية إن المعاناة جزء من الوجود الإنساني الذي لا يمكن مشاركته كليا. ربما تكون المواساة الحقيقية هي الاعتراف بهذه الحقيقة، بدلا من محاولة تجميلها. أن تقول: “أعلم أن كلامي لا يفيد، لكني بجانبك”، بدلا من إلقاء خطبة جاهزة.

ما بعد المواساة الكاذبة

لا يدعو هذا إلى نبذ الناس أو رفض تعازيهم، بل إلى إعادة تعريف المواساة نفسها. ربما تكون المواساة في إحضار طعام دون كلام كثير، في مساعدة عملية في ترتيب الأمور، في زيارات لاحقة بعد انتهاء طقوس العزاء، عندما ينسى الجميع ويبقى الألم.

وفي النهاية، يبقى لكل حزين حقه في رفض كل ما يقال، في الشعور بأن العالم أصبح غريبا، وفي الإصرار على أن: “أنا وحدي أعرف مقدار الألم”. وربما تكون أول خطوة نحو مواساة حقيقية هي احترام هذا الشعور، بدلا من محاولة إقناعه بأنه مخطئ.

فبعض الأوجاع لا تحتاج إلى كلمات تعزية، بل إلى شهادة وجود: “أنا أرى ألمك، أقف أمام عظمته، و أعترف أني لا أملك ما يشفيه، لكني لا أهرب منه”. في هذا الوقوف الصامت، قد نجد بداية لمواساة لا تكذب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى