أخبارأخبار الأسبوعأدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونفاعليات ثقافيةنثر

«قطع الأرزاق الناعم»… حين يُمارَس الظلم بلا قرار ويُقتل الحلم بلا توقيع.

كتب/ محمد فوزي عناني

ليس كل ظلم يُعلن، ولا كل أذى يحتاج إلى خطاب رسمي. أحيانًا، أخطر الطعنات هي تلك التي تمر بهدوء داخل المكاتب، متخفية خلف كلمات منمّقة مثل: “إجراءات” و“سياسات”.

في عالم العمل الحديث، لم يعد قطع الرزق مرهونًا بورقة فصل أو قرار استغناء صريح. هناك نوع أكثر خفاءً وأشد قسوة: قطع الأرزاق الناعم. ذلك الذي يُمارَس دون ضجيج، ويترك أثره العميق في النفوس قبل الملفات.

حين تُوقَف ترقية مستحقة بلا مبرر واضح، لا يكون الأمر إدارة موارد بشرية بقدر ما هو اغتيال لحلم بُني على سنوات من الجهد. وحين تُؤجَّل مكافأة مستحقة دون سبب، فذلك ليس حفاظًا على الميزانية، بل سرقة صامتة لفرحة انتظرها بيت كامل. وعندما يُهمَّش موظف كفء عن تدريب أو فرصة تطوير، لا يكون القرار “تأجيلًا تنظيميًا”، بل جدارًا يُبنى في طريق عمره المهني. أما تمكين غير المؤهل من قيادة فريق، فليس مجاملة فرد، بل كسرٌ لظهر مجموعة كاملة تدفع ثمن الاختيار الخاطئ.

هذا السلوك لا يمكن تبريره بمصطلحات مثل “المرونة الإدارية” أو “الذكاء المؤسسي”. ما يحدث هو انحراف في ميزان العدالة، يتستر خلف نصوص ولوائح تُستخدم بانتقائية. فالعدالة المهنية لا تقتصر على منح الحق المكتوب، بل تمتد لحماية العاملين من السلب الخفي، ومن قرارات تسرق دون إعلان.

النتائج لا تتأخر: قلوب مُنهكة، ولاء يتبخر، شغف ينطفئ، وإنتاجية تنزف بصمت. تتحول بيئة العمل إلى مصنع استقالات، وتسبق السمعةُ الإعلاناتِ لتقول في سوق العمل: “ابتعدوا”.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة داخل كل مؤسسة: كم كفاءة دُفنت وهي على مكتبها؟ لا بقرار فصل، بل بسلسلة قرارات خفية قطعت رزقها وهي لا تزال “على رأس العمل”.

الشركات الرائدة لا تُقاس فقط بأرباحها أو توسعها، بل بقدرتها على منع الظلم الصامت، وحماية العدالة المهنية، وربط الاستحقاق بالأثر الحقيقي لا بالأهواء والعلاقات.

أوقفوا «قطع الأرزاق الناعم»… قبل أن يقطع روح المكان كله.

محمدفوزى عناني

خبير اللغة الإنجليزية ماجستير جودة التعليم من نيويورك كاتب صحفي بجريدة الأسبوع العربي وعدة جرائد أخري.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى