
بقلم/ د.لينا أحمد دبة
في طرف المدينة، كان هناك مستشفى حكومي قديم، جدرانه تشهد على آلاف الحكايات التي مرّت من ممرّاته.
وفي قسم الطوارئ، تعمل سلمى، ممرضة شابة جاءت من قرية بعيدة، تحمل حلمًا واحدًا:
أن تكون سببًا في نجاة إنسان، حتى لو بكلمة.
في تلك الليلة الممطرة، دخل رجل مسنّ اسمه عمّ فضل، منهك القوى، يضع يده على صدره ويتنفس بصعوبة.
لم يكن معه أحد، ولا يحمل أي أوراق تثبت هويته.
بعض الأطباء ترددوا في إدخاله بسبب الزحام ونقص المعلومات، لكن سلمى اقتربت منه بسرعة وقالت بثقة:
— “ده مريض… والإنسان ما بيتقاس بورق. هادخّله غرفة العناية دلوقتي.”
لم تجلس طوال الليل.
ظلت بجانبه، تطمئنه، وتربّت على كتفه، وتقول له:
— “ما تخاف يا عمّ فضل… أنت مش لوحدك.”
مرّت ساعات الليل الثقيلة، ومع شروق الشمس استقرّت حالة الرجل.
فتح عينيه بصعوبة، وكأن الحياة عادت إليه من جديد.
سألها بصوت خافت:
— “يا بنتي… ليه اهتميتي بيّ؟ أنا ما عندي حد.”
ابتسمت سلمى وقالت:
— “عشان الإنسانية مش محتاجة معرفة… محتاجة إحساس.”
بعد يومين، زاره شاب أنيق ملامحه تشبه ملامح عمّ فضل كثيرًا.
كان يبحث عن والده المختفي منذ أسبوع.
وعندما رأى سلمى قال لها والامتنان يملأ وجهه:
— “لو ما أنقذتيه… كنت هفقد أبوي.”
بعد أسبوع، عاد الشاب إلى المستشفى ومعه خطاب شكر وفرصة عمل لسلمى في مستشفى خاص براتب أعلى.
قال لها:
— “مش بس عشان أنقذتيه… لكن عشان شفنا فيك قلب بيحترم الإنسان.”
خرجت سلمى من الباب الكبير للمستشفى القديم، تنظر إلى السماء وتتنفس بعمق.
كانت تشعر بأنها لم تنقذ حياة رجل فقط… بل أنقذت حلمها أيضًا.





