
فساد ذات البين
دينا أسامة تكتب..
علمي أبناءك أن «فساد ذات البين هي الحالقة»
غاليتي الأم.. أنت لا تعلمين أبناءك القراءة والكتابة فقط، بل أنت تغرسين في قلوبهم الطريقة التي سيتعاملون بها مع الناس عندما يكبرون.
ومن أجمل ما يمكن أن نعلمه لأبنائنا أن يكونوا أهل إصلاح، لا أهل إفساد، وأن يعرفوا قيمة الكلمة التي يقولونها، وخطورة الكلام الذي ينقلونه بين الناس.
قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة».
فما معنى «فساد ذات البين»؟
إنه إفساد العلاقة بين الناس، وإشعال الخلاف بينهم، ونقل الكلام الذي يسبب الخصومة، وإثارة سوء الظن، حتى تتحول المحبة إلى جفاء، والقرب إلى قطيعة.
ولذلك وصف النبي صل الله عليه وسلم فساد ذات البين بأنه «الحالقة»؛ لأنه يحلق الخير، ويستأصل المودة، ويفسد العلاقات كما يحلق الشيء من جذوره.
غاليتي الأم.. اجلسي مع أبنائك وأخبريهم أن الإنسان ليس مضطرًا إلى نقل كل ما يسمعه.
علمي ابنك أن يكون جسرًا بين المتخاصمين، لا جدارًا يفصل بينهم.
قد يظن الطفل أن فساد ذات البين شيء كبير لا يفعله إلا الكبار، بينما هو قد يمارسه دون أن يشعر.
عندما يقول لطفل آخر: «أختك قالت عليك كذا». أو: «ماما بتحب أخوك أكتر منك».أو: «صاحبك قال إنك مش شاطر».
ثم يتركهما يتشاجران ويستمتع بالموقف…
هنا يحتاج الطفل أن يتعلم أن هذه ليست مجرد «حكاية»؛ فقد تكون كلمة أفسدت علاقة بين اثنين.
وعلّميه أيضًا أن نقل الكلام قد يكون في صورة حديثة جدًا نراها كل يوم.
قد يرسل أحدهم رسالة غاضبة في لحظة انفعال، فيقوم شخص آخر بتصويرها وإرسالها إلى الآخرين.
وقد يقرأ طفل تعليقا عن صديقه على وسائل التواصل، فيذهب ليخبره به بطريقة تستفزه.
وقد يسمع جملة ناقصة من شخص، فيكملها من عنده، ثم ينقلها إلى غيره وكأنها حقيقة كاملة.
كل هذه صور يمكن أن تتحول إلى فساد ذات البين إذا كان نتيجتها إفساد العلاقة وإشعال الخصومة.
غاليتي الأم علمي أبناءك قاعدة جميلة
قولي لهم: «قبل ما تنقل كلامًا، اسأل نفسك: هل كلامي هيصلح ام يفسد؟»
إذا كان سيصلح، فتكلم بحكمة.
وإذا كان سيزيد المشكلة، فالصمت أحيانًا عبادة وحماية للقلوب.
وعلميهم ألا يحكموا على الناس من جملة سمعوها، وألا يصدقوا كل ما يقال لهم، وألا ينقلوا كلامًا دون التأكد من صحته.
فربما كلمة واحدة فهمت خطأ تفسد صداقة سنوات.
وربما موقف بسيط تضخم بسبب ناقل الكلام حتى تحول إلى خصام بين عائلتين.
والأجمل أن نعلم أبناءنا البديل
لا يكفي أن نقول للطفل: «لا تنقل الكلام».
بل نعلّمه ماذا يفعل بدلًا من ذلك.
إذا رأى اثنين متخاصمين، يقول:
«تعالوا نتكلم ونفهم بعض».
إذا سمع كلامًا سيئًا عن شخص غائب، يقول:
«خلينا ما نتكلمش عليه وهو مش موجود».
إذا جاءه أحد بكلام يريد أن يوقع به بين اثنين، يقول:
«أنا مش هكون سبب في زعل حد من حد».
وإذا أخطأ في نقل كلام تسبب في مشكلة، نعلمه أن الشجاعة ليست في الإنكار، وإنما في أن يعترف بخطأ نقل الكلام والاستغفار له ولمن اغتابه.
علمي أبناءك أن الكلمة أمانة، وأن ليس كل ما نعرفه يقال، وليس كل ما يقال ينقل.
وعلميهم أن أجمل دور يمكن أن يقوم به الإنسان عندما يرى خلافًا بين اثنين هو أن يكون سببًا في عودتهما إلى بعضهما، لا سببًا في زيادة المسافة بينهما.
فما أجمل أن يكبر أبناؤنا وهم يحملون في قلوبهم هذا المعنى العظيم
غاليتي الأم.. ازرعي في أبنائك حب الإصلاح، وحب الخير للناس، وحسن الظن، وحفظ الأسرار، وعدم نقل الكلام، وستر العيوب.
وهكذا نربي جيلًا لا يجيد فقط الحديث عن الأخلاق، بل يعيشها في البيت، والمدرسة، وبين الأصدقاء، وعلى الهاتف، وفي كل تفاصيل حياته.
اللهم اعنا علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
دينا أسامة كاتبة بقلب أم





