أخبار عربيهثقافة

“فرعنة المكاتب”..

“فرعنة المكاتب”.. عندما تغيب الأخلاق ويحضر النفوذ
هاله فؤاد تكتب:
في عالم المؤسسات والشركات، وخلف الأبواب المغلقة للمكاتب الفارهة، تدور رحى معارك صامتة ضحيتها “الإنسان” وجلادها “صاحب السلطة”. هي ظاهرة ليست بجديدة، لكنها استفحلت حتى باتت تهدد السلم النفسي والاجتماعي؛ إنها سادية النفوذ، واستغلال المنصب لإذلال من هم أدنى في السلم الوظيفي، في تجاهل تام لكل القيم الإنسانية، والأهم من ذلك، في غياب كامل لخشية الله ومراقبته.
فرعنة المناصب: هل الكرسي يغير النفوس؟
تبدأ المأساة عندما يظن صاحب السلطة -سواء كان مديراً، أو رئيساً لمصلحة، أو حتى صاحب عمل صغير- أن نفوذه يمنحه صكاً بامتلاك مصائر البشر. يتحول “المرؤوس” في نظره من شريك في النجاح إلى مجرد “عبد مأمور” لا يحق له الاعتراض أو حتى التعبير عن التعب. هذه “الفرعنة الوظيفية” تنشأ غالباً من خلل بنيوي في الشخصية، حيث يعوض صاحب المنصب نقصه النفسي من خلال ممارسة القمع والتسلط على من لا يملكون حولاً ولا قوة، ناسياً أن الكرسي الذي يجلس عليه زائل لا محالة.
غياب الوازع الديني وموت الضمير الإداري
ما يثير الدهشة والاستنكار في آن واحد، هو أن نرى مسؤولاً يحرص على المظاهر الدينية والاجتماعية المرموقة، لكنه في “مملكته الخاصة” داخل العمل يمارس أبشع أنواع الظلم. هؤلاء يتناسون أن السلطة استخلاف، وأن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه. الخوف من الله ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو أمانة في أعناق من تولوا أمور الناس. فأين هؤلاء من الوقوف بين يدي الله ليسألهم عن كل دمعة قهر، وكل ساعة سُببت فيها ضيقاً لمسلم لا يملك إلا الصبر خوفاً على لقمة عيشه؟
سيكولوجية التحكم: الإدارة بالترهيب
يعتمد المدير المتسلط على استراتيجية “الإدارة بالخوف”. هو يعلم يقيناً أن الموظف لديه التزامات، أسرة، وأقساط، فيستغل هذه “النقاط الضعيفة” لفرض سيطرته المطلقة. التجاوزات هنا لا تقف عند حدود المهام الوظيفية، بل تمتد لتشمل الإهانة المعنوية من خلال التقليل من الشأن أمام الزملاء، وتكليف الموظف بمهام تفوق طاقته البدنية والنفسية، واستخدام سلاح “الخصومات الكيدية” لإجباره على التنازل عن كرامته وحقوقه الإنسانية.
الضريبة الباهظة: إنتاجية ميتة وبيئة مسمومة
يعتقد هؤلاء المسؤولون أن الشدة والتحكم المطلق يزيدان من الإنتاجية، لكن الحقيقة العلمية تثبت العكس تماماً. المؤسسات التي تُدار بسوط الإرهاب الإداري هي مؤسسات “هشة”، يغيب عنها الإبداع، ويسود فيها النفاق والمحسوبية. الموظف المقهور لن يعطي انتماءه للمكان، بل سيتحول إلى شخص يؤدي الحد الأدنى من العمل انتظاراً لأول فرصة للهروب، مما يقتل روح الابتكار ويحول بيئة العمل إلى مستنقع مسموم يفتقر للبركة وللنجاح الحقيقي الذي لا يُبنى إلا بالعدل والرضا المتبادل.
رسالة إلى كل “طاغية” وظيفي
تذكر أيها المسؤول أن المنصب “لو دام لغيرك ما وصل إليك”. إن القوة التي تتباهى بها اليوم لتظلم بها الضعفاء هي أضعف مما تتخيل أمام دعوة مظلوم في جوف الليل. اتقِ الله فيمن ترأسهم، واجعل من منصبك جسراً للخير لا سوطاً للتعذيب. إن التاريخ لا يذكر المدراء المتسلطين إلا في صفحات الخزي، بينما يخلد القادة الذين كانوا عوناً وسنداً لمرؤوسيهم، وكانوا يخشون الله في السر والعلن.
 نحو ثقافة إدارية أخلاقية
إن إصلاح المنظومة الإدارية يبدأ من تطهير مكاتبنا من ثقافة “السخرة” و”الاستعباد”. يجب أن تضع الجهات الرقابية قوانين صارمة تحمي الموظف من التعسف الإداري، وأن يكون المعيار الحقيقي للبقاء في المنصب هو الخلق القويم والقدرة على إدارة البشر بروح الرحمة والعدالة. اتقوا الله فيمن ترأسون، فالحساب عسير، والدنيا قصيرة، والآخرة هي المستقر، والعدل هو أساس الملك وبدونه تغتال الكرامة ويموت الضمير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى