
عندما يكون الصمت حواراً مع الذات
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
ليس الصمتُ الذي يغلف كينونتك في هذه اللحظات مجرد استراحةٍ للمحارب، أو رغبةً عابرة في الانكفاء بعيداً عن ضجيج الحياة؛ بل هو في جوهره جسرٌ ممتدٌ وعُبورٌ مهيب من ضفةِ التشتت إلى ضفةِ اليقين. إنك لا تصمت لأنك فقدت القدرة على الكلام، بل لأن الكلمات لم تعد تتسع لما يعتمل في صدرك من تحولات، ولأنك أدركت أن بعض المعارك لا تُخاض بالضجيج، بل بالإنصات العميق لصدى روحك المتعبة.
أما تلك المشاعر المتخبطة التي تتقاذفك أمواجها يمنةً ويسرة، وتلك الحيرة التي تجعل من قلبك ساحةً للصراعات المتناقضة، فإياك أن تظنها علامة وهنٍ أو سمةَ ضعف. إن ما تمر به ليس انكساراً، بل هو عملية إعادة ترتيب كبرى تجري في أعمق مستويات وعيك.
الارتباك هو تخلخلُ القناعات القديمة لتفسح مجالاً لرؤية أوضح.
القلق: هو محرك البحث عن الاستقرار في نسخة جديدة من ذاتك.
الألم التائه: هو الضريبة التي تدفعها لتفكيك الأجزاء التي لم تعد تناسب طموحاتك.
إنك الآن تشبه تلك النبتة التي تشق تربتها في صمت مطبق؛ يظن الرائي من فوق الأرض أن لا شيء يحدث، بينما في الأعماق ثمة ثورة من الجذور وتدافعٌ من أجل الحياة. هذا التخبط الذي تعيشه هو “الفوضى الخلاقة” التي تسبق كل نظام جديد. إنك تعيد صياغة أبجدياتك، وتغربل ذكرياتك، وتنتقي من بين حطام المشاعر ما يستحق أن تبني به مستقبلك.
”فلا تجزع من صمتك، ولا تخجل من ارتباكك؛ فالبحار لا تهدأ إلا لكي تجمع قوتها من جديد، والسماء لا تتلبد بالغيوم إلا لتمطر غيثاً يحيي ما ذبل فيك.”
أنت لست ضعيفاً، أنت فقط في مرحلة “تحديث” لروحك، وهذا المخاض يتطلب صمتاً يليق بعظمة ما سيولد منك لاحقاً.





