
علماء مشرودن وسفهاء منعمون
بقلم: أشرف رضا
في مشهدٍ تراجيدي يختزل عوار دولة بأكملها، مشهد تهتز له الضمائر أو ما تبقى منها، ليس من فيلم بائس، بل من واقع يصفع الوجوه.
سيدة تفترش الرصيف، تنام ملتحفة بالسماء وسط ضجيج المارة، ليس لأنها اختارت الزهد، بل لأن الوطن ضاق بها رحابه.
هذه السيدة ليست متسولة، بل هي العالمة ليلى إبراهيم حسن، المهندسة التي أفنت زهرة شبابها داخل هيئة الطاقة الذرية بمدينة أنشاص، وبين جدران المفاعلات التي كان يُفترض أن تضيء مستقبل أمة، انتهى بها المطاف مطرودة من شقتها، بعد نزاع مهين على قيمة إيجار لم يقوَى عليه معاشها الهزيل الذي لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه.
إن قضية المهندسة ليلى هي التجسيد الحي والمؤلم لـ “خطيئة الدولة” في حق عقولها، فكيف لنا أن نصدق شعارات الجمهورية الجديدة والنهضة العلمية، ونحن نرى قاماتنا العلمية تتساقط في فخ العوز؟
فأيّ اختلال هذا الذي يجعل يدًا كانت تمسك بمعادلات الانشطار النووي، تمسح اليوم غبار الأرصفة لتجد مكاناً للنوم؟
العالِمة ليلى، خبيرة الطاقة، تقاعدت لتجد أن ثمن عمرها العلمي لا يكفي لاستئجار جدران تحمي شيبتها، فى حين التافهون صنّاع الفراغ والمحتوى الهابط، أصحاب الأعمال والبرامج السفيهة والمبتذلة ، تُفتح لهم أبواب الشهرة ،وتمنح لهم الأوسمة، وتُغدق عليهم الملايين لمجرد قدراتهم الفائقة على إضحاك العامة بجهلهم وتمييع وتسفيه الوعي العام.
فعندما تُترك ليلى إبراهيم حسن، وأمثالها للرصيف، فإن الدولة ترسل رسالة “إعدام” لكل طموح للعلم وللمعرفة.
فهي لا تُهين شخصاً، بل تُهين المنهج العلمي بأسره، إنها تقول للشباب صراحةً أن العلم في هذا الوطن هو أقصر طريق للتشرد، وأن الجهل والتفاهة والسفاهة هم الحصانة الوحيدة من غدر الزمان.
فتكريم التافهين وتسليط الأضواء عليهم ليس مجرد ذوق رديء فحسب ، بل هي سياسة تسطيح متعمدة، تُستبدل فيها المفاعلات الذرية بـ التريندات العابرة.
فالدولة التي لا تفرق بين بريق الذهب وصدأ الصفيح ، هي دولة تحكم على نفسها بالظلام.
الدولة تُبنى بحترام العقول المفكرة، وبتقدير قيمة وقامة علمائها ، لا بإهدار كرامتهم على الأرصفة، فالتهميش والتسطيح يقود إلى النزيف الصامت، نزيف الكوادر العلمية ونزيف العلماء، فالعالٍم الذي يرى مصير المهندسة ليلى، لن يتردد ثانية في بيع علمه لمن يقدره فى الخارج ، أو الانزواء محطماً في الداخل.
نحن لا نخسر كوادر فحسب، بل نخسر القدوة ، فكيف سنقنع طفلاً بفتح كتاب الفيزياء، وهو يرى “فيزيائية نووية” تنام على الرصيف؟
كلمة أخيرة لأصحاب القرار ،
إن لقطة العالِمة ليلى إبراهيم حسن، وهي نائمة على الرصيف بمثابة وثيقة إدانة لا تمحوها الخطابات الرنانة ولا الشعارات البراقة، فالوطن الذي يترك علماءه مشردين ويكرم التافهين هو وطن يسعى نحو الهاوية بوعي كامل وخطى سريعة. فارفعوا سجادكم الأحمر من تحت أقدام العابثين، وافرشوه تحت أقدام العلماء، وامنحوهم حداً أدنى من الكرامة، فالدول لا تُرممها اللايكات والترندات ، بل تُرممها العقول التي تركتموها تذبل في دروب النسيان والتشرد.





