الأسبوع العربيتقاريرمقالاتمنوعات

عرب المشارقة… أصل التسمية والجذور ؟

عرب المشارقة… أصل التسمية والجذور ؟

بقلم – عبدالله بن خالد النجار

ليسوا مجرد جهة.. اكتشف المعنى التاريخي الغائب وراء اسم “عرب المشارقة”

لم يكن مسمى “المشارقة” في ديوان العرب بمصر مجرد إشارة لجهة جغرافيّة، بل هو لقب سيادي وعنوان عريض لملحمة بدأت من بوابات الحجاز ونجد وبادية الشام، لتستقر وتزدهر في قلب الكنانة. إن الحديث عن “عرب المشارقة” هو استنطاق للجذور التي لم تنبت في أرض مصر مع الفتح الإسلامي فحسب، بل هي ضاربة في أعماق التاريخ، حيث امتزجت دماء الفرسان بتراب الأرض، وصنعت هوية لا تغيب عنها الشمس.

أولاً: ما المقصود بعرب المشارقة؟
(أصل التسمية)

المشارقة ليس اسماً لقبيلة بعينها، بل هو مصطلح جغرافي-ثقافي يُميز العرب الذين وفدوا مباشرة من المشرق العربي (الحجاز، نجد، الشام) واستوطنوا الأقاليم الواقعة شرق النيل (الشرقية، سيناء، ومدن القناة). لقد حملوا معهم هذا الاسم ليميزهم كأهل “مشرق الأنوار” الذين حافظوا على نقاء أصولهم وارتباطهم الوجداني بجذورهم الأولى.

ثانياً: أسياد الرمل.. السيادة التي سبقت التاريخ
لقد فرض عرب المشارقة سيادتهم على الأرض قبل تدوين التاريخ؛ حيث أطلقت الدولة المصرية القديمة على بدو سيناء وشرق الدلتا لقب “أسياد الرمل”، اعترافاً بمنعتهم وسيطرتهم على المداخل الشرقية. ويؤكد المؤرخ “هيرودوت” (450 ق.م) أن العرب كانوا أصحاب سيادة مطلقة على صحاري مصر الشرقية وطرق تجارتها.

ثالثاً: الهوية الراسخة.. فخر الجذور وامتداد النسب
ما يميز عرب المشارقة هو اعتزازهم الشديد بـ أصولهم الحجازية (السعودية)، وهم يجهرون بهذا الفخر في كل محفل. ولا يتوقف هذا الاعتزاز عند حدود الذاكرة، بل يترجم إلى تواصل حي ومستمر مع أبناء عمومتهم في المملكة العربية السعودية والأردن. فالمجالس والمقاعد في مصر لا تخلو من زيارات أبناء العمومة من الجزيرة العربية، في صلة رحم عابرة للحدود، تؤكد أن الدم لا يصير ماءً، وأن “المقعد” المشرقي في مصر هو امتداد لـ “المجلس” في الحجاز.

رابعاً: ملامح البداوة والأصالة
تتجلى هوية المشارقة في تمسكهم بأدق تفاصيل موروثهم:

الزي والمظهر: الالتزام بـ الزي العربي الحجازي (الثوب، الغترة، والعقال).

عشق الأصايل: تربية الخيول العربية الأصيلة، والولع بـ الإبل، وإقامة سباقات الهجن.

الأطياب والضيافة: عشق البخور والعود والمسك، وتصدر التمور والقهوة العربية المرة للمجالس كرموز للكرم والوجاهة.

المطبخ المشرقي: تميز أكلاتهم التي تشبه المطبخ الحجازي (الكبسة،المندي، المكبوس،والقدرة، المراصيع، الفتة – الثريد العصيدة، الملة.)

خامساً: القضاء العرفي
و”البشعة”
يحتكم المشارقة إلى نظام قبائلي يحترم الحقوق عبر القضاء العرفي. وتبرز “البشعة” لديهم كأقدم “جهاز كشف كذب” عرفي وفطري، يُلجأ إليه لإثبات البراءة أو التهمة في القضايا الكبرى، مما يعكس فراستهم وتمسكهم بالعدالة المطلقة.

خاتمة:
إننا اليوم، حين نعتز بلقب عرب “المشارقة”، فإننا نحمل إرث الأوائل، وقوة القبائل التي طوعت التاريخ. نحن حراس الشرق، وأصل النسب، وعنوان العروبة الذي يربط ضفاف النيل بقلب الحجاز وبوادي الأردن، بزينا وعاداتنا وقضائنا العرفي وأصالتنا التي لا تتغير مهما تحضرنا.

المصادر والمراجع:
المقريزي: “البيان والتبيين في أنساب من دخل مصر من العرب”.

نعوم شقير: “تاريخ سيناء القديم والحديث”.

سليم حسن: “موسوعة مصر القديمة” (توثيق لقب أسياد الرمل).

د. جواد علي: “المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى