أخبار

صلابة وإنكسار

صلابة وإنكسار

صلابة وإنكسار
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​يُخيل للناظرين من بعيد أنها جبلٌ أشمّ لا تطاله العواصف، ويحسبونها صخرةً صماء لم تجبلها الأقدار إلا من صمودٍ لا يلين، حتى غدت في أعينهم ملاذًا آمنًا يُلقون عليه أثقالهم، ومستندًا يرتكزون إليه كلما عصفت بهم رياح الحياة. لقد أتقنتْ ببراعةٍ مذهلة فنّ ارتداء ذلك القناع الحديدي، وصهرت ملامح وجهها لتكون مرآةً للقوة التي يفتقدونها، حتى بات الجميع يستمدون منها العزم، متناسين أنها في نهاية المطاف كائنٌ رقيقٌ من طينٍ وروح.
​إنهم يرون فيها ذاك الوتد الذي لا يميل، والعماد الذي لا ينحني، ولا يدركون أن خلف هذا الجمود الظاهري تكمن روحٌ شفافة تكاد تذوب من فرط الحنين والاحتياج. لقد اعتادوا منها العطاء بلا مقابل، والصبر بلا شكوى، حتى غفلوا عن الحقيقة المرة؛ وهي أن هذا العلوّ الشامخ ما هو إلا تراكمٌ لآلامٍ كُتمت، وصرخاتٍ وُئدت في مهدها، لكي تظل صورتها في أعينهم تلك البطلة التي لا تُهزم.
​ولكن، ليت شعري، لو أن واحدًا من هؤلاء المتكئين عليها تخلّى لبرهةٍ عن أنانيته، وأدرك أن هذا الجسد المنهك يحتاج هو الآخر لمن يسنده. لو أن يدًا حانيةً امتدت إليها في لحظة صدق، أو قلباً عطوفاً احتواها في غمرة هذا الصمت القاتل، ولو أن أحدًا منحها ذلك الحضن الدافئ الذي تفتقده منذ أمدٍ بعيد؛ لانفجرت تلك السدود التي شيدتها حول قلبها لسنوات.
​حينها، لن تكتفي بالبكاء العادي، بل ستخرج منها شهقةٌ مدوية، زفرةٌ من أعماق الوجع، وبكاءٌ مريرٌ يزلزل الأركان. ستكون تلك الشهقة بمثابة صرخة الوجود التي تُعلن عن نهاية الاحتمال، شهقةٌ من القوة والضعف معًا، تكاد لشدة لوعتها وعمق صدقها أن تحبس أنفاس العالم بأسره، وتوقف نبض الزمن إجلالاً لتلك اللحظة التي تهاوت فيها أسطورة القوة، لتنتصر فيها أخيراً إنسانيتها المقهورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى