لا تزال قرية العزيزية التابعة لمركز البدرشين تلملم أشلاء طمأنينتها التي تبخرت مع دوي الرصاص الأخير. ففي مشهدٍ درامي تجاوز حدود الخيال السينمائي، سقط “فارس” صريعًا، ليس بمجرد رصاصات طائشة، بل بغدرٍ أصاب في مقتله هيبة “العُرف” وقدسية “العهد”. فارس لم يكن مجرد ضحية في سجلات الحوادث، بل كان هو الرجل الذي حمل كفنه على يده قبل أسابيع قليلة، ومشى به بين الناس معلنًا حقن الدماء، ليثبت الواقع المرير أن الكفن -الذي هو في الموروث الشعبي درعٌ يحمي صاحبه- لم ينجح في صد رصاص الثأر المتأصل في النفوس.
مشهدٌ زائف.. هل كان الصلح استراحة محارب؟
في ديسمبر الماضي، تعالت الزغاريد وامتزجت بدموع التوبة والصفح في جلسة صلح وُصفت بالتاريخية. ظن الجميع، بمن فيهم القيادات الأمنية والقضائية، أن صفحة الدم قد طُويت بين الأسرتين. لكن الحقيقة التي استيقظت عليها العزيزية كانت مغايرة تمامًا؛ فالنوايا التي اختبأت خلف الوجوه المبتسمة في سرادق الصلح كانت تضمر سوادًا لم تجله الكلمات المعسولة. مقتل فارس أعاد طرح السؤال الوجودي في صعيد مصر وريفها: هل جلسات الصلح العرفي هي حلول حقيقية للأزمات، أم أنها مجرد “مسكنات” مؤقتة تمنح القاتل فرصة لالتقاط أنفاسه قبل جولة جديدة من الدم؟
من لهو الأطفال إلى نعوش الكبار
تأمل تفاصيل هذه المأساة يكشف عن عبثية مفرطة؛ فالبداية لم تكن نزاعًا على إرث أو حدود أرض، بل “مشاجرة أطفال” تافهة، كان من الممكن احتواؤها بكلمة طيبة. لكن “الأنا” القبلية والاندفاع العاطفي حوّلا اللعب إلى صدام دموي. أحمد وفدي، الطرف الأول، وجد نفسه مدافعًا عن حياته بسلاح أبيض أدى لمقتل المعتدي، ليدخل بعدها في دوامة القضاء والسجن. ورغم قضاء العقوبة القانونية (سبع سنوات)، إلا أن قانون “الغاب” كان لا يزال ساري المفعول في الخفاء.
لقد حاول شقيق القتيل الأول الثأر مرارًا، ونصب الكمائن، حتى سقط أحد أعوانه تحت عجلات السيارة أثناء محاولة هروب أحمد. هنا تشابكت الخيوط وتعددت الدماء، مما جعل التدخل القضائي والصلح العرفي ضرورة حتمية لإيقاف نزيفٍ كاد أن يأكل الأخضر واليابس في القرية.
سقوط الرمزية وفشل الردع
إن مقتل “حامل الكفن” هو أخطر ما في هذه الواقعة. فالكفن في الوعي الجمعي يمثل “الموت المعنوي” الذي يعفي من “الموت الجسدي”. وحين يتم اختراق هذا العهد، فنحن أمام انهيار لمنظومة القيم الاجتماعية التي تحكم القرية المصرية. هذا الغدر لا يقتل شخصًا واحدًا، بل يقتل الأمل في أي صلح مستقبلي؛ فمن سيتجرأ بعد اليوم على تقديم كفنه إذا كان يعلم أن الرصاص ينتظره في المنعطف التالي؟
إن ما حدث في العزيزية يستوجب وقفة حازمة لا تكتفي بالقبض على الجناة، بل تبحث في “فلسفة الصلح”. فالصلح الذي لا يتبعه رقابة أمنية لصيقة، ولا يصحبه تغيير في القناعات الثقافية للأطراف المتنازعة، يظل صلحًا “هشًا” يقف على أرضية من الرمال المتحركة.
الجرح المفتوح.. ماذا بعد؟
تعيش العزيزية الآن حالة من الترقب المشوب بالخوف. فمقتل فارس لم ينهِ الخصومة، بل جعلها أكثر تعقيدًا وشراسة. الغضب اليوم لا يقتصر على عائلة الضحية، بل يمتد ليشمل كل من شهد على الصلح وشعر بالإهانة لأن كلمته وعهده قد ضُرب بها عرض الحائط.
إننا أمام معركة وعي طويلة الأمد. الثأر في نفوس البعض ليس مجرد استرداد لحق، بل هو “دين” لا يسقطه إلا الدم، وهي ثقافة مدمرة تتغذى على الجهل والتعصب. وإذا لم تضرب الدولة بيد من حديد على كل من ينقض عهود الصلح، فإن شبح الثأر سيظل يطارد العزيزية وغيرها، محولًا قُرانا إلى ساحات حرب لا تنتهي بجنازة، بل تبدأ منها.
خلاصة القول:
إن الرصاص الذي اخترق جسد فارس صهر معه كل وعود السلام. والدرس القاسي الذي تعلمته العزيزية هو أن الكفن وحده لا يوقف الرصاص، ما لم تكن هناك قلوب مؤمنة بالصفح، وقانونٌ يحمي العهود قبل أن يحمي الأجساد.