الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

ربما لم تعش حياتك يومًا…

ربما لم تعش حياتك يومًا…

بقلم / نعمه حسن

مقالات ذات صلة

ربما لم تعش حياتك يومًا…

فمن الذي عاشها بدلًا منك؟

هل يمكن أن يبلغ الإنسان الستين أو السبعين ثم يكتشف أنه لم يعش حياته كما أرادها يومًا؟
السؤال يبدو قاسيًا، لكن الأكثر قسوة أن تكون الإجابة: نعم.
منذ اللحظة التي نفتح فيها أعيننا على الدنيا، يبدأ الآخرون في كتابة أجزاء من قصتنا قبل أن نتعلم نحن حتى كيف نمسك القلم.
يقال لك ما هو النجاح. وما هو الفشل. وما الذي يليق بك. وما الذي يجب أن تخجل منه. ومن ينبغي أن تصبح. ومتى تتزوج. وماذا تدرس. وكيف تبدو أمام الناس. وكم ينبغي أن تملك حتى يقال عنك إنك نجحت.
ثم تكبر.
وتعتقد أنك أصبحت حرًا.
لكن هل أصبحت كذلك فعلًا؟
أم أنك فقط انتقلت من تنفيذ أوامر واضحة إلى تنفيذ أوامر أصبحت تسكن داخلك؟
هنا تكمن الحيلة.
أخطر القيود ليست تلك التي نراها.
بل تلك التي نعتقد أنها جزء من شخصيتنا.
قد تكره شيئًا لأنك تعلمت أن تكرهه. وقد تخاف من طريق لأن أحدًا أقنعك قديمًا أنك لا تصلح له. وقد تسعى لامتلاك بيت أو سيارة أو منصب لا لأن قلبك يريده، بل لأن المجتمع أقنعك أن قيمتك ستزداد حين تملكه.
وقد تقضي عشرين عامًا تركض نحو هدف، ثم تصل إليه فلا تشعر بشيء.
لماذا؟
لأنه ربما لم يكن هدفك منذ البداية.
أخطر سؤال يمكن أن تسأله لنفسك
تخيل أن تستيقظ غدًا وقد اختفى كل البشر الذين تعرفهم.
لا أب ينتظر منك شيئًا. لا أم تقارن. لا أقارب يسألون. لا أصدقاء يراقبون. لا مجتمع يحكم. لا منصات تعرض حياتك على الآخرين. لا أحد سيعرف ماذا ارتديت، ماذا اشتريت، بمن ارتبطت، وأين عملت.
ماذا ستبقي من حياتك الحالية؟
هذا السؤال وحده قادر على كشف أشياء مخيفة.
ربما ستكتشف أنك لا تحب العمل الذي قضيت سنوات تدافع عنه.
ربما لا تريد نمط الحياة الذي تتباهى به.
ربما ستعرف أن بعض أحلامك لم تكن أحلامًا، بل واجبات اجتماعية ارتدت ثياب الأحلام.
وهنا يبدأ الفرق بين أن تكون حيًا، وأن تعيش.
نحن نخاف من السجن… لكننا نبني سجوننا بأنفسنا
السجن لا يحتاج دائمًا إلى باب حديدي.
أحيانًا يكفي خوفك من عبارة:
«ماذا سيقول الناس؟»
كم حياة تغيرت بسبب هذه الجملة؟
كم إنسانًا دفن حلمًا؟
كم امرأة تحملت ما لا تحتمل؟
كم رجل عاش عمره يمثل القوة لأنه خاف أن يعترف بالتعب؟
كم شاب اختار دراسة لا يحبها؟
كم فتاة رفضت طريقًا كانت تحبه؟
كم شخص استمر في زواج أو علاقة أو عمل انتهى داخله منذ سنوات، فقط لأن الخروج سيجعل الناس يتحدثون؟
إننا أحيانًا نخسر أعمارنا كاملة دفاعًا عن صورة في عيون أشخاص سينشغلون عنا بعد دقائق.
وهذه واحدة من أغرب مفارقات الإنسان:
نضحي بحياتنا الحقيقية من أجل رأي مؤقت في عقل شخص آخر.
ثم جاءت الخوارزميات
وكان الإنسان قديمًا يقارن نفسه بجاره أو قريبه.
أما اليوم، فهو يقارن نفسه بملايين البشر في شاشة لا تنتهي.
شخص يسافر. آخر يتزوج. ثالث يشتري سيارة. رابعة تعرض بيتًا مثاليًا. خامس أصبح مشهورًا. سادس حقق ثروة وهو في الخامسة والعشرين.
وببطء، يبدأ الإنسان في الشعور بأنه متأخر.
لكن متأخر عن ماذا؟
ومن وضع خط النهاية أصلًا؟
لم يعد المجتمع وحده يخبرنا بما ينبغي أن نكون عليه.
الخوارزميات تفعل ذلك أيضًا.
ما نراه يوميًا يصنع تدريجيًا تعريفنا للجمال والنجاح والسعادة والحياة الطبيعية.
وحين يتكرر الشيء أمامنا آلاف المرات، قد ننسى أنه مجرد اختيار من بين آلاف الطرق الممكنة للحياة.
ثم نبدأ في مطاردته.
ونظن أننا اخترناه.
أخطر أنواع السيطرة
ليس أن يجبرك شخص على فعل شيء.
بل أن يجعلك تريده.
أن يزرع الرغبة داخلك، ثم يتركك تركض خلفها بإرادتك.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
كم رغبة في داخلك وُلدت منك فعلًا؟
وكم واحدة صنعها إعلان؟
كم واحدة صنعتها مقارنة؟
كم واحدة صنعها خوف؟
كم واحدة صنعها احتياجك لأن يسمع أحدهم بكلمة: «ناجح»؟
ولهذا قد يملك الإنسان الكثير ويشعر بالفراغ.
ليس لأن ما لديه قليل.
بل لأنه جمع أشياء أجابت عن أسئلة الناس، ولم تجب عن سؤال قلبه.
الحياة التي لا تشبهك ستتعبك مهما بدت جميلة
قد تبدو حياتك ممتازة في الصور.
لكن الصورة لا تعرف شيئًا عنك.
لا تعرف أنك تستيقظ دون رغبة.
ولا تعرف أنك تؤجل حلمًا منذ عشر سنوات.
ولا تعرف أنك تضحك في مكان لا تنتمي إليه.
ولا تعرف أن أكثر جملة تكررها سرًا هي:
«أنا مش عارف أنا بعمل إيه هنا.»
بعض البشر لا يحتاجون إلى تغيير حياتهم كلها.
هم فقط يحتاجون أن يتوقفوا لحظة ويسألوا:
هل هذه الحياة تشبهني؟
ليس: هل يصفق لها الناس؟
ليس: هل تبدو ناجحة؟
ليس: هل سيحسدني الآخرون عليها؟
بل:
هل أستطيع أن أرى نفسي فيها؟
ربما الحرية ليست أن تفعل ما تريد

فقد يكون ما «تريده» نفسه قد تمت برمجته فيك.
ربما الحرية الحقيقية تبدأ خطوة قبل ذلك.
أن تعرف لماذا تريد ما تريد.
أن تفحص أفكارك كما تفحص أشياءك.
أن تفتح الأدراج القديمة داخل عقلك.
هذه قناعة جاءت من أين؟
هذا الخوف زرعه من؟
هذا الحلم حلمي أم حلم والدي؟
هذا الحكم على نفسي مبني على ماذا؟
هذه الحياة أعيشها لأنني أحبها أم لأنني أخشى أن أعيش بشكل مختلف؟
هذه الأسئلة ليست رفاهية فلسفية.
إنها ربما أهم تحقيق يجريه الإنسان في حياته.
لأنك تستطيع استعادة المال إذا فقدته.
وتستطيع تغيير البيت والعمل والطريق.
لكن هناك شيء إذا ضاع لا يعود:
العمر.
والمفاجأة الأخيرة
قد تقرأ هذا المقال وتقول:
أنا مختلف.
أنا أختار حياتي بنفسي.
ربما.
لكن قبل أن تغلق الصفحة، أجب عن سؤال واحد فقط:
لو ضمنت أن أحدًا في العالم لن يعرف أي قرار ستتخذه من اليوم، فهل ستعيش غدًا بالطريقة نفسها التي تعيش بها اليوم؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما أنت قريب جدًا من نفسك.
أما إذا شعرت للحظة أنك تريد تغيير أشياء كثيرة…
فربما لم تكن المشكلة يومًا أنك لا تعرف كيف تعيش.
ربما المشكلة أنك كنت تعيش حياةً كتبتها أصوات كثيرة…
ونسيت أن تضع اسمك أنت على الصفحة الأولى.
زين ربي صفحات حياتكم بما يسعدكم ويريح بالكم وتنالوا رضا الرحمن .
مع تحياتي ..
نعمه حسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى