
سجل الديون غير المرئى: عندما تصبح الأخلاق دينا في رقاب البشر
بقلم باهر رجب
في زحمة الحياة و صراعاتها المادية، نسجل الديون في دفاترنا البنكية، ونطالب بما لنا من أرقام ملموسة. لكن هناك دفاتر أخرى، غير مرئية، تسجل فيها ديون من نوع آخر: ديون تترك جروحا في الروح قبل الجسد، و تثقل كاهل المدين قبل الدائن. هذه الديون هي ديون القلوب، ديون المروءة، ديون الإنسانية.
الظلم: الدين الذي لا يغتفر
الذي يظلم، سواء بلسانه أو يده أو سلطته، لا يدرك أنه لا يظلم إلا نفسه. فهو لا يخسر كرامة المظلوم فحسب، بل يخسر طمأنينة نفسه، ويرهنها بدين أخلاقي ثقيل. الظلم جمرة تلتهب في يد قاذفها قبل أن تصيب هدفها. وهو دين يتراكم بفوائد مركبة من الندم، أو – في قلوب القساة – من الخواء.
خيانة العهد و الود: كسر عقد الروح
أعلى أنواع العشرة هي تلك المبنية على وديعة الثقة. فمن خان العهد، ونسي الجميل، ولم يصون العشرة التي شرب معها من كأس الأماني والذكريات، فهو مدين. ليس دين مال، بل دين وفاء. لقد سرق شعورا آمنا، و بدله بخوف، وباع كنز الثقة بأبخس الأثمان. هذا الدين هو انهيار لقلعة كان يسكنها قلبان، ويصعب إعادة بنائها.
نكران العيش والملح: تنكر للجذور
“العيش والملح” رمز قديم للشراكة في القوت والحياة. من جحد هذه الشراكة، ونسي أيام القلة و الكثرة، ورفض أن يذكر فضل الخبز المشترك، فهو مدين بدين الجحود. إنه دين تجاه التاريخ المشترك، تجاه اللحظات التي كانت بسيطة لكنها صافية. نكران الملح ليس مجرد نسيان، بل هو محو متعمد لصورة من صور براءة الماضي.
الكذب وحمل الهموم الزائفة: تزوير الواقع
الكاذب دائما مدين بالحقيقة. لكن هناك كذبة أفظع: أن يحملك هموما ليست همومك، وأن ينسج لك حوارا من أوهامه و أجنداته، ثم يتركك تدفع ثمنه. هنا لا يكون الدين كلمة حقيقة فحسب، بل دين من الوقت الضائع، والطاقة المبذولة في معارك وهمية، والعلاقات التي قد تتحطم بسبب أكاذيب ليست من صنعك.
الاغتياب والوقوع في الأعراض: سرقة الأمان
الحديث في أعراض الناس جريمة مزدوجة: سرقة لسمعة الآخر، وسرقة لطمأنينة المجتمع. المتكلم في الأعراض مدين لكل سمعته أضر بها، ومدين للنسيج الاجتماعي الذي خدشه. إنه دين من السلام الداخلي الذي سلبه عن ضحاياه، ودين الاعتذار العلني الذي نادرا ما يقدمه.
النفاق وازدواجية الوجه: تلويث الصدق
الذي يظهر عكس ما يخفي، و يبطن ما لا يظهر، فهو مدين بالشفافية. لقد حول العلاقة إلى مسرح، وجعل الثقة لعبة. دينه هو عرض حقيقة واحدة، ووجه واحد، لكنه غالبا ما يختار الإفلاس الأخلاقي على سداد هذا الدين.
التشويه والإساءة: جروح الكلمات
الكلمة المغلوطة التي تطلق في حقك كالسهم السام. قائلها مدين بتصحيحها، وتطهير سمعتك مما علق بها من سم. الإساءة بكافة أشكالها – قولا أو فعلا – دين يتطلب من المدين إصلاح ما أفسد، و مداواة ما جرح. أما الذي يكسر خاطرك، أو يقهر إرادتك، أو يبكيك و يوجعك، فديونه هي الأثقل. لأنها تسلبتك شعورا بالأمان، أو كرامة، أو فرحة، وتركت مكانها ألما.
استنزاف المشاعر: سرقة النور الداخلي
أخطر الديون على الإطلاق هو دين من لعب بمشاعرك، و استنزف طيبتك، و استنفذ طاقتك. هنا لا يسرق منك لحظة أو ذكرى، بل يسرق منك جوهرك: قدرتك على الحب، والثقة، والعطاء. هذا مدين بشيء قد لا يقدر على رده: براءة القلب التي أضاعها، و النظرة المتفائلة التي قتلها.
إياك والظلم
في النهاية، تذكرة قاسية: إياك والظلم. فكل دين من هذه الديون هو شكل من أشكال الظلم. والظلم ظلمات يوم القيامة، كما في الميزان الإلهي، فهو ظلمات في الدنيا أيضا: ظلمة في القلب، وضيق في الصدر، وخلل في المصير. سداد هذه الديون لا يكون بالمال، بل يكون بالاعتراف، والاعتذار، والندم الصادق، والإصلاح.
قد يفلت المدين من محاسبة البشر، لكنه لن يفلت من محاسبة ضميره، أو من ذلك السجل الخفي حيث تسجل كل شائنة، وتكتب كل غدرة. فليحذر كل منا أن يكون مدينا بهذه الديون، و ليحرص كل منا على أن يكون سجله خاليا من هذه السوداويات. فالحياة أقصر من أن نثقلها بديون لا تغتفر، والنفوس أغلى من أن نرهنها بأوزار لا تنسى.





