أدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتنثر

خوفان يحددان حياتنا

في النهاية، كل إنسان يعيش صراعين لا يعلن عنهما: خوفا من أن يرى… و خوفا من ألا يرى. هذه الجملة التي قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها لغز فلسفي، هي في الحقيقة تكثيف دقيق لأعمق معاناة إنسانية في عصرنا الحديث. إنها الصرخة الصامتة التي نحملهــا في داخلنا، والتي نرفض الاعتراف بها حتى لأنفسنا.

بقلم باهر رجب

نعيش في زمن الازدحام الرقمي، حيث أصبحنا نعرض تفاصيل حياتنا على منصات التواصل الاجتماعي بلا توقف، وكأننا في سباق محموم لإثبات وجودنا. نضع الصور، نشارك اللحظات، نكتب الأفكار، كل هذا في محاولة يائسة لأن نرى. لكن في اللحظة التي يبدأ فيها الآخرون بالتفاعل مع هذه الصورة، بالتعليق عليها، بتقريب العدسات نحو تفاصيلنا، ينتابنا ذعر غريب. ماذا لو اكتشفوا أن الصورة لا تعكس الحقيقة كاملة؟ ماذا لو لمسوا المناطق التي لم نتصالح معها بعد؟

هذا هو التناقض الإنساني الأزلي: نريد من يقترب، لكن نخشى أن يلمس الجروح التي لم تندمل بعد. نشتاق إلى الصداقة الحقيقية، إلى الحب، إلى الوجود مع آخر يفهمنا، لكننا في اللحظة الحاسمة نرتد خوفا من أن يكتشف هذا الآخر أننا لسنا كما نبدو عليه. نخاف من أن يرى فينا ما نرفض رؤيته في أنفسنا.

هذه المناطق التي لم نتصالح معها هي ليست مجرد ذكريات مؤلمة أو إخفاقات سابقة، بل هي أجزاء من هويتنا نرفض قبولها. قد تكون ضعفا نخجل منه، أو حلما تخلينا عنه، أو خطيئة نندم عليها، أو ببساطة ذلك الجزء الطفولي الذي ما زال يعيش فينا رغم كل محاولاتنا لإخفائه. نلبس الأقنعة تلو الأقنعة كي نحمي هذه المناطق من أعين المتلصصين، لكننا في الوقت نفسه نحتقر هذه الأقنعة لأنها تمنعنا من أن نحب لذاتنا الحقيقية.

والعلاج الحقيقي، كما تذكرنا تلك الحكمة، ليس في الانتصار لأحد الخوفين على الآخر، وليس في الهروب من كليهما، بل هو “هذا الطريق الدقيق بين هذين الخوفين”. طريق لا نعزل أنفسنا فيه خوفا من الاكتشاف، ولا نعرض كل شيء بدافع الخوف من الغياب. طريق نتعلم فيه أن نكشف عن أنفسنا بالتدريج، للآخرين المناسبين، في الوقت المناسب.

هذا الطريق يشبه إلى حد كبير السير على حبل مشدود. إنه فن الموازنة بين الحاجة إلى الخصوصية والحاجة إلى المصارحة. بين إعطاء الآخرين مساحة كافية ليرونا كما نحن، مع وضع حدود تحمي المناطق التي لم نستعد بعد لكشفها. إنه البحث عن علاقات آمنة، علاقات نستطيع فيها أن نخطئ دون أن نفقد قيمتنا، أن نضعف دون أن نخـــسر احترام من حولنا.

العلاج هو أن نجد الشجاعة لنقول: “هذا أنا، بكل ما بي من قوة وضعف، بكل ما لدي من نور وظل”. هو أن نتعلم كيف نرى أنفسنا أولا بصدق وعطف، حتى لا نخشى أن يرانا الآخرون. عندما نتصالح مع مناطقنا المظلمة، نستطيع أن ندع الآخرين يقتربون دون خوف، لأننا نعلم أن أي لمسة لهم لهذه المناطق لن تهز صورتنا عن ذواتنا.

في النهاية، هذا الطريق الدقيق بين أن نرى وألا نرى هو رحلة كل إنسان نحو ذاته. رحلة لا تنتهي، لكنها الوحيدة التي تستحق أن تعاش. لأننا في هذه الرحلة لا نكتشف أنفسنا فقط، بل نخلقها أيضا. نتحول من ضحايا لصراعنا إلى فنانين يرسمون وجودهم بلون الشجاعة والحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى