الأسبوع العربيخاطرةمقالاتمنوعات

حين يصبح الإنسان سلعة… ويسقط المعنى

حين يصبح الإنسان سلعة… ويسقط المعنى

بقلم: خالد مراد

لم يعُد كل ما يُباع شيئًا…
بل صار كل شيء يُباع.
في زمنٍ اختلطت فيه القيم بالأسعار،
لم تعد المشكلة أن الإنسان يعمل،
بل أن الإنسان نفسه أصبح معروضًا.

لم نعد نبحث: من أنت؟
بل: كم تساوي؟
الوظيفة لم تعد رسالة،
بل صفقة.

العلاقات لم تعد مودة،
بل مصالح مؤجلة.

الصداقات لم تعد دفئًا،
بل شبكات نفع.

وحتى المشاعر…
أصبحت تُدار بعقلية “العائد المتوقع”.

صرنا نقيس البشر كما تُقاس السلع:
هذا مفيد،
هذا ثقيل،
هذا يضيف،
هذا يستهلك.

كأن القلوب تحولت إلى شركات،
والعلاقات إلى استثمارات،
والقرب إلى مشروع قابل للربح أو الإلغاء.

الأخطر من ذلك…

أن الإنسان بدأ يتعامل مع نفسه كمنتج.

يُسوّق صورته،
يُجمّل عيوبه،
يُخفي ضعفه،
يبتسم وهو منهك،
يتظاهر بالقوة وهو يتآكل،
لأن السوق لا يرحم المعطوبين.

لم يعد مسموحًا لك أن تكون حزينًا طويلًا،
ولا ضعيفًا كثيرًا،
ولا صادقًا أكثر من اللازم.
العالم يريد نسخة قابلة للاستهلاك،
لا روحًا حقيقية.

حتى الألم لم يعد يُحتوى،
بل يُختصر في منشور،
وحتى الفقد لم يعد يُعاش،
بل يُوثّق.

نركض خلف الصورة،
ونترك الجوهر ينهار.

نهتم بالشكل،
ونؤجل الروح حتى تذبل.

وحين يسقط أحدنا من شدة الإرهاق الداخلي،
يتساءل الجميع بدهشة:
“كيف حدث ذلك؟ كان يبدو بخير!”

كان يبدو…

لأن هذا زمن المظاهر،
زمن الإتقان الخارجي والانهيار الصامت.

حين يتحول الإنسان إلى سلعة،
تسقط الرحمة،
ويبرد الاحتواء،
ويصبح السؤال الوحيد:
“ماذا سأستفيد منك؟”

لكن الحقيقة التي نتجاهلها:
المجتمعات لا تنهار حين يكثر الفقر،
بل تنهار حين يقلّ المعنى.

حين تُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يكون،
نكون قد خسرنا أعظم ما فينا دون أن نشعر.

فالإنسان ليس وظيفة،
ولا حسابًا بنكيًا،
ولا صورة مثالية،
ولا أداة منفعة.
الإنسان روح،
وكرامة،
وحضور،
وقلب يحتاج أن يُحب
لا أن يُقيَّم.

وحين ننسى ذلك…

نربح الأسواق،
ونخسر أنفسنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى