
حين يتعب القلب بصمت
بقلم ماريان عماد
أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك
في زحام الأيام، نتعلم كيف نبتسم ونحن مرهقون، وكيف نقول “لا بأس” بينما بداخلنا شيءٌ ينكسر بهدوء. الصحة النفسية ليست رفاهية كما يظن البعض، وليست حديثًا خاصًا بالضعفاء، بل هي ذلك الخيط الخفي الذي يمسك بتوازننا ونحن نعبر الحياة.
نحن لا ننهار فجأة. الانهيار يبدأ صغيرًا… فكرة سلبية تتكرر، كلمة جارحة لا تُنسى، ضغط يتراكم دون استراحة. ومع الوقت، يصبح التعب عادة، ويصير الصمت لغة. كثيرون يعيشون بيننا وهم يحملون قلقًا لا يُرى، وحزنًا لا يُحكى، لأنهم يخافون أن يُساء فهمهم، أو أن يُتهموا بالمبالغة.
لكن الحقيقة البسيطة أن المشاعر لا تختفي بالتجاهل. هي مثل طفل صغير، إن لم نصغِ إليه بكى بصوت أعلى. حين نحزن، نحتاج أن نعترف بحزننا. حين نقلق، نحتاج أن نسأل أنفسنا: ما الذي يخيفني حقًا؟ الاعتراف ليس ضعفًا، بل بداية شفاء.
الاهتمام بالنفس لا يعني الأنانية. أن تمنح نفسك ساعة هادئة، أن ترفض ما يؤذيك، أن تبتعد عن مقارنة ترهقك… كل ذلك أشكال من الرحمة الداخلية. نحن نستحق أن نعامل أنفسنا بلطف، كما نعامل من نحب.
وربما أهم ما نتعلمه أن طلب المساعدة شجاعة. الحديث مع صديق، أو مختص، أو حتى كتابة ما نشعر به على ورقة، قد يفتح نافذة في غرفة مغلقة منذ زمن. أحيانًا لا نحتاج حلولًا معقدة، بل نحتاج أذنًا تسمع وقلبًا يتفهم.
في النهاية، الصحة النفسية رحلة يومية. ليست محطة نصل إليها ثم نرتاح، بل ممارسة مستمرة من الوعي والاحتواء. فلنخفف عن أنفسنا قليلًا، ولنتذكر أن الإنسان ليس آلة. من حقه أن يتعب، ومن حقه أن يُجبر خاطره… حتى لو كان الجابر هو نفسه.





