
حين تُستأجر الحماية… وتغيب السيادة
بقلم : خالد مراد
في لحظات التحول الكبرى، تسقط الشعارات وتبقى الحقائق. وأقسى الحقائق أن الأمن الذي لا تصنعه بيدك، قد يُسحب منك في لحظة.
لسنوات، ركنت بعض الدول العربية — خصوصًا الخليجية — إلى معادلة الحماية الخارجية، معتبرة أن وجود قواعد أجنبية فوق أراضيها ضمانة ردع كافية.
لكن الوقائع أثبتت أن تلك القواعد لم تمنع الاستهداف، ولم تحمِ السيادة من الانتهاك، بل جعلت بعض العواصم رهينة حسابات قوى كبرى تتغير أولوياتها بتغير مصالحها.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
ماذا لو امتلك العرب قوة عسكرية مشتركة تحميهم بإرادتهم لا بإرادة غيرهم؟
الفكرة التي طُرحت… ثم جُمِّدت
في مارس 2015، وخلال القمة العربية السادسة والعشرين التي عُقدت في شرم الشيخ تحت مظلة جامعة الدول العربية، طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي مبادرة إنشاء قوة عربية مشتركة.
لم يكن الطرح نظريًا، بل جاء في لحظة اضطراب إقليمي غير مسبوق: تمدد جماعات مسلحة، انهيار دول، تدخلات إقليمية، وحدود عربية مفتوحة على كل الاحتمالات.
القادة العرب وافقوا مبدئيًا على:
تشكيل قوة تدخل سريع عربية.
إنشاء قيادة عسكرية موحدة.
وضع بروتوكول قانوني منظم لآلية اتخاذ القرار.
أن يكون التدخل بطلب من الدولة المعنية أو بقرار جماعي.
لكن المشروع توقف عند حدود النوايا.
الخلافات السياسية، وتباين العقائد العسكرية، والهواجس المرتبطة بالسيادة، أوقفت الفكرة قبل أن تولد عمليًا.
ماذا كان يمكن أن يتغير؟
لو خرج الجيش العربي الموحد إلى النور، لتبدل ميزان الردع في المنطقة.
وجود قوة عربية متكاملة كان سيعني:
قرار دفاع عربي مستقل.
تقليص الاعتماد على القواعد الأجنبية.
قدرة على إدارة الأزمات داخليًا دون تدويلها.
رفع كلفة أي اعتداء على دولة عربية.
الردع لا يعني الحرب، بل منعها قبل وقوعها.
والقوة لا تعني العدوان، بل حماية الاستقرار.
مصر… نموذج السيادة المستقلة
وسط هذا الجدل، تبقى مصر حالة مختلفة في معادلة الأمن الإقليمي.
فالقاهرة لم تحتج يومًا إلى قواعد عسكرية أجنبية فوق أراضيها لتحمي سيادتها فمصر لديها أقوي جيش بالمنطقه .
الأرض المصرية محرّمة على أي وجود عسكري أجنبي دائم، والقرار الدفاعي مصري خالص، تحكمه عقيدة جيش وطني تشكّل عبر تاريخ طويل من الحروب والتضحيات.
ومن هنا، فإن دعوة مصر لإنشاء جيش عربي موحد لم تكن بحثًا عن حماية لنفسها، بل رؤية استراتيجية لحماية المنظومة العربية ككل.
إدراكًا منها أن الأمن العربي شبكة واحدة، إذا انقطعت حلقة فيها اهتزّت باقي الحلقات.
الدرس القاسي
التحالفات الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح.
والصديق اليوم قد يعيد حساباته غدًا إذا تغيّرت المعادلات.
الدولة التي تستأجر أمنها، تبقى رهينة لمن يدفع لها فاتورة الحماية.
أما الدولة التي تبني قوتها، فتملك قرارها.
السيادة لا تُمنح، ولا تُشترى، ولا تُستورد.
السيادة تُنتزع وتُصان بالقوة الذاتية والتكامل الحقيقي.
هل فات الأوان؟
ربما تعثر المشروع في 2015، لكنه لم يمت.
الظروف التي دفعته إلى الظهور آنذاك عادت اليوم بأشكال أكثر تعقيدًا.
قد لا تكون البداية بجيش موحد كامل، لكن يمكن أن تبدأ بخطوات واقعية:
قيادة عسكرية عربية دائمة.
منظومة دفاع جوي إقليمية مشتركة.
قوة تدخل سريع محددة المهام.
تكامل في الصناعات العسكرية.
البديل واضح:
إما أمن يُصنع عربيًا…
أو أمن يُدار من الخارج وفق حسابات الآخرين.
وفي زمن التحولات الكبرى، لا مكان إلا للأقوياء.





