اخصائي نفسيالأسبوع العربي

«حين تنطفئ روحك بلا إنذار صامت»

«حين تنطفئ روحك بلا إنذار صامت»
بقلم / سهير محمود عيد
في لحظة عابرة، ومن غير حدث كبير يهز حياتك، تلاقي نفسك بتتغيّر… صوتك يوطي، خطواتك تبطّأ، وكأن الدنيا بقت تقيلة على قلبك. حالة غريبة ملهاش اسم واضح، بس ليها وجع واضح. ناس كتير بتمرّ بيها ومبتتكلمش… وده اللي بنسميه “الانطفاء الهادئ”. انطفاء مش فجائي، ولا درامي، لكنه بيمشي على أطراف صوابعه لحد ما يسرق ملامحك من غير ما تلاحظ.
الانطفاء الهادئ مش اكتئاب صريح، ومش ضعف… هو إن روحك تتعب، ومحدش ياخد باله، حتى إنت. تلاقي نفسك بتضحك بس مش مبسوط، بتتكلم بس مش حاضر، بتعيش بس مش موجود. الروتين يهريك، العلاقات تستنزفك، المسئوليات تتراكم فوق صدرك، والناس حواليك فاكرة إنك “زي القمر وقوي وعادي”… لكن محدش بيسأل:
هو مين اللى بيلمّع القمر ده كل ليلة؟
تبدأ العلامات صغيرة… نوم كتير من غير راحة، عزلة مش عن الناس بس، عن نفسك كمان. تلاقى إنك مش قادر حتى تشرح اللي انت حاسس بيه. يمكن تبقى قاعد وسط عشرة، بس قلبك قاعد لوحده. تبقى عامل كل حاجة صح… ومع ذلك حاسس إن في حاجة نقصاك. حاجة محدش بيديها، ومش عارف تطلبها.
الانطفاء بيجي بسبب حاجات كتير:
ضغط شغل مستمر، علاقات متوترة، إحساس باللاجدوى، انتظار كلمة تقدير مبتجيش. الإنسان مش ماكينة، ومهما كان قوي، نقطة ضعفه الوحيدة إن روحه بتتعب… ولما الروح تتعب، مفيش جسد يقدر يشيلها.
الخطر إن الانطفاء الهادئ مش بيكشف نفسه بسرعة. هو بيمشي بهدوء… يطفي الشغف، ثم الحماس، ثم البسمة، لحد ما تبقى نسخة مش واضحة من نفسك. تبقى بتعيش على “المفروض”، مش على “اللي نفسك فيه”.
وتبدأ تسأل نفسك:
هو ليه بقيت كده؟
هو أنا فين؟
لكن الحقيقة إن الرجوع ممكن. وممكن أكتر مما تتخيل. بس محتاج تبدأ تعترف: أنا تعبان… وأنا أستحق أرتاح.
اول خطوة هي إنك تسمع صوتك… الصوت اللى سكتته سنين. تدي لنفسك فرصة تهرب من الضوضاء، تراجع حياتك، تعيد ترتيب أولوياتك، وتبعد عن أي علاقة بتسرق منك أكتر ما بتديك.
اتعلم تقول “لا”… اتعلم تمشي لو وجعت… واتعلم تقرب من اللي بيطمن قلبك مش اللي بيهلكه.
وقتها هتعرف إنك مش محتاج تنوّر الدنيا… إنت بس محتاج ترجع تنوّر جواك.
ومش محتاج تغير العالم… محتاج تغير طريقة احتواءك لنفسك.
الانطفاء مش نهاية… هو بداية تنبيه. صرخة هادية بتقولك:
“قوم… ارجع لنفسك قبل ما تضيع أكتر.”
وأخيراً ……
اللهم يا مقلّب القلوب… بدّل تعبنا راحة، وضيقنا فرجًا، وهمّنا نورًا يهدي طريقنا إليك. اللهم ردّ إلينا أنفسنا ردًا جميلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى