
لحظة الرحيل..
بقلم / طلبه عبدالكريم الجازوي
تأتي الإجازة كأنها لحظة حياة قصيرة، يعود فيها المغترب إلى بيته وأهله وأولاده، ويحاول أن يعيش معهم كل دقيقة، وكأنه يريد أن يعوض سنوات طويلة من الغياب.
لكن الإجازة، مهما طالت، تمر سريعًا، ويأتي اليوم الذي يخشاه كل مغترب…
يوم الرحيل.
يخرج من بيته محاولًا أن يبدو قويًا، يخفي حزنه خلف كلمات قليلة وابتسامة متعبة، وكأنه يريد أن يقنع من حوله بأن السفر أصبح أمرًا عاديًا.
لكنه ليس عاديًا أبدًا.
تبدأ لحظة الوداع، وتتعالى دموع الأبناء، ويحاول الأب أن يتمالك نفسه، بينما قلبه يريد أن يبكي معهم.
وفي لحظات كهذه، تختفي الكلمات.
ينظر الأب إلى وجوه أبنائه طويلًا، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحهم في ذاكرته قبل أن تبتعد عنه المسافات.
ثم تتحرك السيارة…
ويبدأ البيت في الابتعاد شيئًا فشيئًا.
وفي تلك اللحظة يشعر المغترب أنه لا يترك منزلًا فقط، بل يترك جزءًا من قلبه خلفه.
كل مرة يسافر فيها يقول لنفسه: ربما تكون هذه المرة الأخيرة، وربما يأتي يوم يستطيع فيه أن يعيش بجوار أسرته دون سفر أو وداع.
لكن المشهد يتكرر:
بيت… ثم سيارة… ثم وداع… ثم طريق طويل… ثم غربة.
ومع مرور السنوات، يصبح الأبناء أكثر معرفة بمعنى السفر مما ينبغي أن يعرفه الأطفال.
يعرفون أن والدهم سيغادر، وأن عليهم الانتظار حتى يعود.
وفي المقابل، يعرف الأب أن كل يوم يمر بعيدًا عنهم هو يوم من أعمار أبنائه لن يتكرر.
قد يكبر أحد الأبناء وهو بعيد، وقد تحدث لحظة فرح أو موقف صعب دون أن يكون الأب حاضرًا.
وهنا يظهر الثمن الحقيقي للغربة.
فالغربة ليست مجرد الابتعاد عن الوطن، وإنما أن تكون بعيدًا في اللحظات التي تتمنى فيها أن تكون حاضرًا.
تمر السنوات، ويسافر المغترب ويعود، يودع ويلتقي، يفرح ويحزن، ويظل يقنع نفسه أن كل هذا من أجل مستقبل أفضل لأسرته.
لكن يبقى سؤال واحد يرافقه في كل رحلة:
إلى متى؟
إلى متى سيظل السفر جزءًا من الحياة؟
ومتى يأتي اليوم الذي تنتهي فيه الغربة؟
لا أحد يعرف متى يأتي ذلك اليوم، لكن كل مغترب يحمل في داخله حلمًا بسيطًا…
أن يعود يومًا إلى بيته عودة نهائية، لا ليحمل حقيبة سفر جديدة، وإنما ليضع حقيبته في مكانها، ولا يحتاج إليها مرة أخرى.
فالمغترب لا يريد الكثير.
يريد أن يعيش بين أولاده وأهله.
أن يستيقظ مطمئنًا بأنه لن يتركهم في اليوم التالي.
أن يخرج من بيته دون أن يسمع بكاء أبنائه خلفه.
وأن يأتي يوم يستطيع فيه أن يقول بكل اطمئنان:
هذه المرة لن أسافر.
لكن إلى أن يأتي ذلك اليوم…
يستمر الطريق.
وتستمر الغربة
ويبقى في قلب كل مغترب وطن، وبيت، ووجوه لأشخاص أحبهم، ودموع وداع لا تنساها الذاكرة.
فالغربة لا توجعنا فقط عندما نغادر الوطن، بل توجعنا أكثر عندما نغادر من نحب.





