الأسبوع العربيخاطرةمقالاتمنوعات

حين أصبح الضجيج بديلاً عن الحقيقة

حين أصبح الضجيج بديلاً عن الحقيقة

بقلم: خالد مراد

لم يعُد العالم يُقاس بميزان العقل،
بل بعلوّ الصوت.

لم تعد الفكرة تنتصر لأنها صائبة،
بل لأنها الأعلى صخبًا، والأكثر انتشارًا، والأسرع وصولًا إلى العيون المتعبة والعقول المستعجلة.

نعيش زمنًا غريبًا…
زمنًا صار فيه الضجيج حُجة، والانفعال منطقًا، والتكرار دليلاً.

فإن أردت أن تُقنع الناس، لا تحتاج إلى برهان،
يكفي أن تصرخ طويلًا… وسيُصدقك البعض،
ويشكّ فيك البعض،
لكن أخطرهم من سيعتاد صوتك فيظنه حقيقة.

الحقيقة بطبعها هادئة،
تمشي على استحياء،
لا تطرق الأبواب بعنف،
ولا تتزيّن بالألوان الصارخة.
لهذا تخسر كثيرًا أمام الباطل…
فالباطل يعرف كيف يُسوّق نفسه،
أما الحقيقة فتظن أن وضوحها يكفي.

صرنا نعيش في زمن يُقاس فيه صدق الكلام بعدد المشاركات، لا بعمق المعنى،
ويُحاكم فيه الرأي بعدد المؤيدين، لا بسلامة منطقه.

فإذا اجتمع ألف جاهل على فكرة، صارت “رأيًا عامًا”،
وإن وقف عاقل واحد بالبرهان، قيل عنه: شاذٌّ عن الإجماع.

الخطر ليس في الكذب،
بل في اعتياد الكذب.

ليس في الخطأ،
بل في تطبيع الخطأ.

حين يُعاد الباطل كل يوم، يصبح مألوفًا،
والمألوف لا يُقاوَم… بل يُسلَّم به.

وهنا يبدأ الانهيار الصامت.

لا تسقط الأمم حين تُهزم عسكريًا فقط،
بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والضجيج،
بين الفكر والهتاف،
بين العقل والجماهير.

أخطر ما يحدث اليوم ليس أن يُخدع الناس،
بل أن يُفضّلوا الخداع لأنه أسهل من التفكير،
وأخف من البحث،
وأريح من مواجهة الحقيقة.

فالتفكير متعب…
أما الضجيج فمسلٍ.

وسط هذا الصخب،
تصبح مسؤولية العاقل ثقيلة،
لأنه لا يملك ميكروفونًا، بل يملك ضميرًا،
ولا يملك جمهورًا، بل يملك موقفًا.

وقد يخسر الجولة…
لكن التاريخ لم يكتب يومًا أسماء أصحاب الضجيج،
بل خلّد أصحاب الحقيقة،
حتى لو تأخر صوتهم.

فلا تنخدع بعلو الصوت…
فالعاصفة تُحدث ضجيجًا،
لكن المطر الهادئ هو من يُنبت الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى