
تعبنا.. حين يصبح العطاء صرخة في واد
بقلم باهر رجب
نحن نعيش في عالم متناقض غريب، نحمله فوق أكتافنا و نشقى من أجله، لكنه لا يسمعنا، ولا يرانا، ولا يقرأنا. كم مرة نحاول أن ننقل صورة العالم بكل ألوانه وأشكاله لمن لا يبصر؟ وكم مرة نرفع أصواتنا عالية مدوية في وجه من لا يسمع؟ وكم نحاول أن نخط كلماتنا بدماء قلوبنا لأمة ترفض حتى أن تقرأ؟
الصورة التي لا ترى
نتعب ونحن ننقل الصورة لعالم كفيف. نحاول أن نصف له زرقة البحر، وخضرة الغابة، و اصفرار الشمس عند الغروب. نستخدم كل ما أوتينا من بلاغة وبيان لنحاول إيصال مشهد لا يمكن إدراكه إلا بالعين. نضيع في متاهة الوصف، نبحث عن كلمات جديدة، عن استعارات مبتكرة، لكننا في النهاية نقف عاجزين أمام حقيقة واحدة: أن هناك هوة سحيقة بين تجربتنا البصرية وإدراكه.
كما إنه يشبه أن تحاول شرح مفهوم “الأحمر” لمن لم ير لونا في حياته. تذكر له النار، والدم، والورد، والغضب، لكن تظل الفجوة قائمة. ومع ذلك نستمر في المحاولة، لأننا نؤمن بأن الجمال يجب أن يشارك، وأن العالم يستحق أن يعرف، حتى لو كان المعرفة ناقصة.
الصرخة التي لا تسمع
كما نتعب أكثر ونحن نصرخ بملئ أفواهنا لعالم أصم. نرفع أصواتنا إلى حد البحة، نستخدم كل قوانا لنقول كلمة حق، أو ننقل فكرة مهمة، أو نحذر من خطر محدق. لكن صرخاتنا تضيع في الفراغ، تذوب في ضجيج لا ينتهي.
إنه يشبه أن تحاول إنذار نائم من حريق يلتهم بيته، بينما هو غارق في سبات عميق. تهدد وجودك، تبذل طاقتك، لكن لا استجابة. ومع ذلك نستمر في الصراخ، لأن الصمت قد يعني الموت، ولأن صوت الحق -حتى لو لم يسمعه أحد- يجب أن يظل معلنا.
الكلمة التي لا تقرأ
وأكثر من تعبنا، نحن نكتب لأمة لا تقرأ. نعصر أفكارنا على الورق، ننسج خيوط الحكمة في مقالاتنا، نقدم خلاصة تجاربنا في كتبنا، ثم نكتشف أن كتبنا تتحول إلى زينة في الرفوف، و مقالاتنا تدفن في بحر النسيان.
كما نكتب عن الحب والحرب، عن الحياة والموت، عن الماضي والمستقبل، لكن قلوبنا تتمزق حين نرى أن أكثر ما يقرؤه الناس هو العناوين فقط، وأن أعماق الأفكار تبقى حبيسة الصفحات. نكتب بدماء قلوبنا لنكتشف أن أحدا لا ينزف معنا.
لماذا نستمر؟
في خضم هذا التعب، قد نتساءل: لماذا نستمر في النقل والصراخ والكتابة؟ الجواب بسيط ومعقد في الوقت نفسه: لأننا لا نملك غير ذلك. لأن الإنسان الحامل للرؤية لا يستطيع إلا أن يشاركها، والإنسان المؤمن بالحقيقة لا يستطيع إلا أن ينطق بها، و الإمان الممتلئ بالفكر لا يستطيع إلا أن يكتبه.
لعل كلمة واحدة تصل، أو صورة واحدة تتجلى، أو صرخة واحدة تسمعها أذن. لعل بصيص نور واحد يخترق ظلاما ما. لعل كلمة حق واحدة تبقى شاهدة على أننا حاولنا.
نحن نعلم أن الطريق طويل، وأن الجهد قد يبدو ضائعا، لكننا نؤمن بأن قيمة العطاء ليست في نتائجه الملموسة دائما، بل في جوهره الأصيل. سنظل ننقل الصورة للكفيف، و نصرخ في وجه الأصم، ونكتب للأمة التي لا تقرأ، لأن في هذا العطاء معنى إنسانيتنا، وسبب وجودنا، وتعبيرا عن إيماننا بأن الغد قد يكون أفضل، وأن الأمة قد تستيقظ، وأن الكفيف قد يبصر، و الأصم قد يسمع.
فلا تتوقفوا عن النقل، ولا تكفوا عن الصراخ، ولا تيأسوا من الكتابة. فالحكمة لا تموت، والحق لا يندثر، والجمال لا يفنى.





