أخبار

جسد بلا روح

جسد بلا روح

جسد بلا روح
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
​إلى ذاك الذي استباح هجري واستسهل بعادي، بينما لا يزال طيفه يسكن عروقي عصياً على النسيان.. إليك أكتب. كيف استطعت أن تبيع ودّاً تعهدناه معاً، في حين أنني لم أفرط يوماً بعهد عشقي لك؟ لقد كان جناني بستاناً غناً بشغفٍ لا ينضب، ترويه أنهار حنانك العذب، وكان قلبي خلف قضبان حبك أسيراً مختاراً، يرفض الحرية إن لم تكن معك.
​لقد عبرت ساعات البعد ببطءٍ قاتل، حتى خُيّل لي أن الدقيقة دهرٌ مرير ينهش في ذاكرتي. روحي اليوم تهيم على وجهها، عطشى لا يرويها إلا غيثك، تلوذ بدفئك الذي كان بالأمس قريباً، واليوم صار أبعد من النجوم. سافرتُ في دروب الذكريات أبحث عنك، فلم أجنِ من رحلتي سوى وخز الألم وأنين الغياب الذي يمزق سكون ليلي. لم يتبقَّ لي سوى الوقوف بباب الخالق، أدعوه بيقين المنكسر أن يجعل رحمته مخرجاً لهذا الفؤاد الحزين الذي أثقله الوجع.
​حين عزّ اللقاء، أخذت روحي في رحلة مستحيلة؛ أغمضت عينيّ لأهرب من واقعي المرّ، علّني ألتقي بك خلف أهداب عيونك. أبحرت في تفاصيلك، في عمق كينونتك، حتى تيقنتُ أنه لا بديل عن قربك إلا العدم. أقولها وبملء صوتي: إن الموت أهون بكثير من حياةٍ تخلو منك، خاصة وأنا أرى عيون الشامتين وأصحاب المصالح يتربصون بضعفي.
​إن جفاءك وهجرك لم يتركا لي عقلاً أحتكم إليه، بل قذفاني في أتون الجنون. يسألني دمعي كيف أهون عليك بكل هذه البساطة، وأنت الذي ما زلت تسكن عرش قلبي لا تهون؟ قلبي يذوب في هواك كما يذوب الشمع في لظى النار، وجوارحي متيمة بحنانك الذي افتقدته. لقد كسرتُ من أجلك كل القيود، وتحديتُ بك العالم، لأن العشق الصادق يملك من النبل ما يجعله يغفر كل الزلات ويصفح عن كل العيوب.
​كبرياؤك هو ذاته كبريائي، فأنت تسكن مساماتي وتجري في دمي مجرى الروح. يهمس جسدي المنهك لروحك الغائبة يا من سكنت حنايا الروح واستوطنت الوجدان، لماذا اخترت الرحيل؟ إن قرارك هذا لم يكن مجرد غياب، بل كان ذبحاً لفؤادي، وضياعاً لوجودي في طيات الحرمان الموحشة.
​لقد كنت أنت الرحمة التي وهبني إياها القدر لتعوضني عن سنوات الحرمان العجاف، كنت “نشوة” الحياة في دنيا صار العشق فيها مرادفاً للموت والأنين. التقينا صدفةً بين سطور كلماتي، فتشربت روحي حبك حتى أصبحتَ أنت الوجود كله. غمرتني بأمانٍ افتقدته طويلاً، وصار وصالك وطني الذي أستظل به.
​والآن.. بكل برودٍ تطلب الرحيل؟
اعلم إذن، أنك برحيلك تترك خلفك جسداً بلا روح، قلباً بلا نبض، وكياناً خاوياً من كل أشكال الحياة. فكيف يا من وهبته نبضي، استطعت أن تجعلني عليك أهون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى