
بشارة عند الفجر .. قصة قصيرة
كتبت– مروة حمزة:
كان يوسف يجلس في زاوية الزنزانة، ظهره ملتصق بالجدار الرطب، يراقب شعاع الضوء الخافت يتسلل من فتحة ضيقة في السقف. لم يعد يعرف الأيام من الشهور، فقد ذابت كلها في بعضها، مثل ماء راكد لا يعرف الجريان.
يعدّ الزمن بخطوط صغيرة يخدشها على الحائط بقطعة حجر، ثم يتوقف أحيانًا لأنه فقد اليقين: هل عبر يوم جديد فعلًا؟ أم أن الليل امتد على النهار وابتلعه؟
منذ دخوله السجن ظلمًا، وهو يوقن أن الحياة توقفت عند تلك اللحظة: قيدٌ في معصمه، باب حديدي أغلق وراءه، وصرخة في صدره لم يسمعها أحد. كانوا يقولون إن محاكمته قد تطول، وإن “الأدلة ضده دامغة”، بينما يعرف في قرارة نفسه أن الحقيقة مسجونة مثله
في لياليه الطويلة، كان يستعيد الذكريات الأليمة:
صفارات الشرطة تقتحم الشارع، رجال يقتادونه بعنف وسط دهشة الجيران، ابنته الصغيرة تركض خلفه تصرخ:
– بابا! بابا
لكن يد أمها شدتها بعيدًا، وبقي صوته يتردد في أذنه:
-خليك قوية يا نور… بابا راجع قريب أنا مظلوم يا بنتي وربنا مش هيسيبني
ثم تذكر قاعة المحكمة، وهو واقف مكبل اليدين، يستمع إلى كلمات القاضي التي سقطت على رأسه كالصاعقة:
الحكم: السجن المؤبد
رأى وجه أمه ينهار، وأخاه يصرخ احتجاجًا، وزوجته المكلومة تحمل ابنته لا تدري ما تفعل، بينما هو صامت، عاجز حتى عن الدفاع عن نفسه.
ليالي السجن طويلة، تمتد مثل جرحٍ لا يلتئم. أصوات السجناء حوله تتنوع:
أنين، شتائم، ضحكات مجنونة تخفي يأسًا عميقًا. لكنه لم يتأقلم، لم يستسلم. فقط جلس صامتًا، يحاور نفسه ويستعيد وجوه أحبته.
أحيانًا كان يسمع همسات:
“ده مظلوم… اتلفق له الملف”.
لكن الهمسات لا تفتح أبوابًا، ولا تكسر قيودًا
كلما سمع وقع أقدام السجان في الممر، كان قلبه يخفق بغير إرادة، ثم يخبو بسرعة. دائمًا يأتي السجان حاملاً نفس الكلمات الباردة: “وزّعوا الأكل”، “عدّ”، “انصرف”. لا جديد. ولا بشارة
حتى مرّت ثلاثة أعوام و جاء ذلك الفجر ..
كان ممددًا على الأرض، يتكور تحت بطانية بالية، يحاول أن يدفئ عظامه. تسلل إليه صوت المفاتيح، يليه وقع الخطوات الثقيلة. فتح الباب فجأة، وظهر وجه السجان. نظر إليه يوسف بعيون مثقلة، ينتظر أوامر روتينية، لكن السجان قال بصوت خشن، وفيه شيء من الارتباك:
-يلا يا يوسف… جه لك أمر بالإفراج
نهض ببطء، وعيناه متسعتان كأنهما لا تصدقان. الإفراج؟ ظل يرددها داخله وكأنها لغة غريبة نُطقت لأول مرة
سار في الممر بخطوات مترددة، قلبه يتقافز بين الأمل والخوف. هل هي خدعة؟ هل هناك خطأ في الأسماء؟ لكنه حين بلغ نهاية الممر، رأى أخاه واقفًا هناك، بوجه متعب لكنه مضيء، وفي يده ورقة رسمية مختومة.
-يوسف… الحمد لله، ظهرت الحقيقة. أثبتوا براءتك
انهارت الدموع من عينيه بلا مقاومة، وشعر أن سنوات السجن كلها انسكبت على وجنتيه في لحظة واحدة. عانق أخاه طويلاً، كأنهما يحاولان أن يستعيدَا العمر المسروق.
وحين خرج من البوابة الحديدية، داهمته الشمس بوهجها، أضاءت وجهه وأحرقت عينيه، لكنه لم يهرب منها، رفع رأسه عاليًا، مد يده نحو السماء، وقال بصوت خافت كأنما يناجي:
-كنت فاكر العمر هيخلص هنا… لكن ربنا ما بينساش المظلوم
سار بخطواته الأولى خارج الأسوار، مثقلًا بجراح السنين، لكن قلبه أخف من الريش. أمامه طريق طويل ليبدأ من جديد، وخلفه أبواب السجن التي أُغلقت على ماضيه إلى الأبد.
… … …





