
بقلم/ د. محمود جمعه الصاوي
إن الحضارة الغربية التي طالما أبهرتنا بتقدمها التقني والعلمي، تسقط أمام جميع الاختبارات الإنسانية.
إن تلك الحضارة التي جعلت من الإنسان مسخًا لا يعرف للإنسانية سبيلًا؛ فالإنسان رتبة أرقى من الحيوان، لا يرقى إلا بإنسانيته، فإذا فقدها انتكست فطرته وأصبح مسخًا مجهول المعالم.
فقد لفت انتباهي في الفترة الأخيرة انتشار (ترند) على بعض الصفحات الأجنبية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ يتم صناعة حيوان كقط أو كلب من الكيك بحيث يشبه الحيوان تمامًا، ثم يأتي صاحب الـ(ترند) بحيوانه الأليف الذي يقوم بتربيته في منزله، وأمام عينيه يقوم بقطع رأس الحيوان المصنوع من الكيك في مشهد بشع؛ فينهار الحيوان الحقيقي ويقفز بسرعة على الحيوان المصنوع من الكيك في محاولة لإنقاذه، ثم يبدأ في الصراخ والانهيار من بشاعة ما رأى.
وأحمد الله أنه لم تصبنا عدوى هذا الـ(ترند) الذي يخلو من جميع أشكال الرحمة والإنسانية، وأظن أنه لن تصيبنا هذه العدوى؛ فإن مجتمعنا، وإن تخلف عنهم علميًا وتقنيًا، إلا أننا نتقدمهم إنسانيًا. فقد اتفق الفقهاء على أن من آداب الذبح أن لا تُذبح بهيمة أمام أختها، وذكر ذلك ابن قدامة رحمه الله وغيره الكثير، فقال: “ويُكره أن يُذبح شاة والأخرى تنظر إليه”.
وليس هذا فحسب، فقد انتشر في أوروبا ظاهرة الكلاب البشرية، وخاصة في المملكة المتحدة وألمانيا، بحيث يرتدي أشخاص أزياء كلاب من أقنعة وطوق حول رقبتهم، ويتصرفون كحيوانات أليفة، ويقومون بالخضوع والنباح مقابل مبالغ مالية، ويعرضون أنفسهم للتبني عبر الإنترنت.
أيُّ تقدم هذا الذي يصل بالإنسان الذي كرمه الله وخلقه في أحسن تقويم أن يصل به إلى أسفل سافلين؟
إنها انتكاسة للفطرة، وانتكاسة أخلاقية.
كما أن ارتفاع معدلات الاكتئاب، والتفكك الأسري، والعزلة الاجتماعية التي يتعرض لها إنسان هذه الحضارة خير دليلٍ على هذا.
أقول إن تلك الحضارة التي اهتمت بالمادة وأهملت الروح جعلت الحياة بلا معنى، وجعلت المنفعة والإنتاج والاستهلاك والنمو الاقتصادي هي فقط معايير تقدم المجتمعات، مما جعل الحياة فارغة من معناها الروحي.
وقد ذكر عالم النفس إريك فروم أن الإنسان الغربي الحديث انتقل من نمط الوجود إلى نمط الامتلاك، حيث باتت قيمة الفرد تُقاس بما يملك لا بما هو عليه إنسانيًا وأخلاقيًا، الأمر الذي أفضى إلى شعور واسع بالاغتراب والفراغ الوجودي.
وأوضح فيكتور فرانكل هذا المعنى، فذكر أن فقدان المعنى والبعد الروحي في الحضارة الغربية الحديثة أسهم في انتشار القلق والاكتئاب والاضطرابات النفسية، رغم التقدم المادي والتكنولوجي الهائل.
غير أن الاهتمام بالجانب المادي أسهم بلا شك في إنجازات علمية وتقنية غير مسبوقة.
ومخطئ من يظن أن أحدهما دون الآخر يستطيع أن يصل بالإنسان إلى أعلى مراتب الإنسانية؛ فالجانب المادي يمثل اللُّحمة، والجانب الروحي يمثل السَّدَى، وكلاهما يكونان النسيج الوجودي للإنسان، لا انفصام بينهما.





