الأسبوع العربيخاطرة

…….الكاتب المفلس…….

الكاتب المفلس
بقلم: سيد جلال الفرماوي

الكاتب المفلس ماديا ليس حالة نادرة، بل ظاهرة مسكوت عنها.
هو ذلك الإنسان الذي يملك وعيا زائدا عن اللزوم، وكلمة أثقل من جيبه، وحلما أكبر من رصيده البنكي.
الإفلاس هنا لا يعني فشلا، ولا عجزا عن الإنتاج، بل على العكس تماما.
الكاتب المفلس هو شخص اختار أن يكون صادقا في زمن تباع فيه المجاملة، وأن يكتب ما يؤمن به في وقت تكافأ فيه السطحية.
هو يعمل، يفكر، يكتب، وينشر…
لكن العائد لا يأتي.
ليس لأن ما يقدمه بلا قيمة، بل لأن القيمة لم تعد هي المعيار.
هذا الكاتب يدفع ثمن الاستقلال.
لا ينتمي لتيار، ولا يكتب تحت الطلب، ولا يلمع أحدا طمعا في مكافأة.
يكتب بضمير حي، فيعاقب بالتجاهل.
الكاتب المفلس ماديا يعيش صراعا يوميا قاسيا؛
بين احتياجات الحياة وضغط الواقع،
وبين رغبته في ألا يخون كلمته.
قد يكتب مقالا يهز مشاعر المئات،
ثم يعود ليحسب كيف سيدبر يومه.
قد تتداول أفكاره،
بينما يظل اسمه غائبا عن الحسابات.
المشكلة الحقيقية ليست في الكاتب،
بل في منظومة تكافئ الرديء،
وتهمش الجيد لأنه لا يجامل،
ولا يبيع قناعاته.
الكاتب المفلس لا يحتاج شفقة،
ولا شعارات تحفيزية جوفاء،
بل يحتاج اعترافا بأن الكلمة عمل،
وأن الفكر مهنة،
وأن الاستمرار بلا مقابل نوع من الاستنزاف لا البطولة.
ورغم ذلك…
يظل هذا الكاتب غنيا بشيء واحد لا يشترى:
الصدق.
والتاريخ لم يتذكر يوما من كانوا أغنياء المال،
بقدر ما خلد من كانوا أغنياء المعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى