
الفصل التاسع : الطيبة والوحش
الفصل التاسع: التضحية التي لا يراها أحد
بقلم / سهير محمود عيد
لم أصرخ.
لم أجادل.
وهذا ما فاجأه.
بعد اجتماع المدرسة، وبعد الصمت الثقيل الذي ملأ البيت،
انتظر أن أنهار…
أن أتشبث…
أن أقاوم.
لكنني فعلت العكس.
قلت له بهدوء متعب:
— «يمكن عندك حق.»
رفع رأسه ببطء.
الوحش يحب هذه الجملة.
— «أيوه؟»
— «يمكن كنت قاسية… ويمكن ضغطت على الولاد من غير ما آخد بالي.»
لم يكن يصدق أذنيه.
ولا عينيه.
— «يعني معترفة؟»
— «بقول إني أم… وبغلط.»
في داخلي، شيء كان يموت.
لكنني تركته يموت…
من أجلهم.
في تلك الليلة، عدت خطوة للوراء.
سحبت نفسي من المواجهة.
خفضت صوتي.
خفضت رأسي.
سمعت تنهيدته.
تنهيدة نصر.
قال بعدها بأيام:
— «الولاد محتاجين شدة شوية.»
هززت رأسي:
— «اللي تشوفه.»
عاد يمنع.
يأمر.
يقرّر.
وأنا…
أبتلع.
لكن الأولاد كانوا يراقبون.
وكان هذا هو الثمن الحقيقي.
دخل الأول غرفتي ليلًا.
وقف طويلًا قبل أن يتكلم.
— «ماما… إنتِ زعلانة مننا؟»
هنا…
كادت التضحية تنكسر.
قلت بصوت ثابت كاذب:
— «لا يا حبيبي.»
— «طب ليه سكتي؟»
نظرت في عينيه،
وشعرت أني أخونه.
قلت أخيرًا:
— «عشان أحيانًا… اللي بيحب قوي، لازم يستحمل قوي.»
لم يفهم.
ولا يجب أن يفهم الآن.
أما الآخر، فكان أذكى من عمره.
قال وهو ينظر في الأرض:
— «إنتِ رجعتي زي زمان.»
كانت تلك الجملة طعنة نظيفة.
لم أرد.
في الأيام التالية، عاد الوحش أقسى…
لأنه شعر بالأمان.
كان يوبّخ بلا خوف.
ينتقد بلا حساب.
وكل مرة، ينظر إليّ ليرى رد فعلي.
وكل مرة…
يصيب.
لكن شيئًا واحدًا لم يلاحظه.
أطفالي لم يعودوا ينكسرون كما قبل.
كانوا يحزنون…
لكنهم لم يصدقوا الأكاذيب.
في إحدى الليالي، سمعت همسًا خلف الباب.
الأول يقول للآخر:
— «ماما مش ضعيفة… ماما بتستنى.»
جلست على الأرض،
وضعت يدي على صدري،
وبكيت بصمت.
ليس خوفًا.
بل وجعًا.
عرفت في تلك اللحظة أن التضحية نجحت…
لكن الثمن كان باهظًا.
وأن الوحش، وهو يظن أنه ربح الجولة،
كان يخطو دون أن يدري
نحو اللحظة التي لن تنفع فيها
لا السيطرة
ولا الصوت
ولا الأقنعة.
التضحية ليست النهاية.
هي فقط…
الهدوء الذي يسبق الانفجار.
يتبع…





