أخبار

الغياب الناعم

الغياب الناعم

الغياب الناعم
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​كلما انقضى النهار وانحسرت أضواء الحياة الصاخبة، أجدني أهرعُ مثقلةً بالوقت، أعودُ متأخرةً إلى مرافئ ذاتي، إلى تلك الزوايا القصية في أعماقي التي ظننتُها خالية. ولكنني، ويا لدهشة الروح، أجدك هناك.. متمكناً من الفراغ، حاضراً قبل أن أصل، كأنك لم تغادر قط. حضورك هذا لا يقرع الطبول، ولا يسبقه ضجيج، بل ينسلُّ في سكوني كعادةٍ قديمة تأصلت في النفس حتى باتت تمارس سطوتها دون حاجةٍ لإعلان أو استئذان.
​إنني، وبكل ما أوتيتُ من محاولات النسيان، لا أتعمد التفكير بك، ولا أرتب صورك في مخيلتي؛ ومع ذلك، تجد طريقك إليّ بيسرٍ مذهل. تظهر فجأةً في وعيي، تماماً كما تولد الابتسامة العفوية على ثغرٍ أتعبته الجراح، فتعرف مسارها بدقة نحو الشفاه دون تدبير مسبق.
​أقف عند عتبة المساء، أنزع عن كاهلي أعباء يومي الطويل، أخلع تفاصيله المرهقة بهدوءٍ وتؤدة، وأتركها ملقاةً قرب الباب كأثوابٍ بالية لم تعد تناسبني. وفي تلك اللحظة التي يفرغ فيها المكان من ضجيج العالم، تتقدم أنت لتملأ كل تلك الفراغات الباردة. تملأ الوجود حولي برقةٍ لامتناهية، كما ينساب العطر في أرجاء غرفةٍ مغلقة، يتغلغل في ذرات الهواء، ويحتل المدى دون أن يلمس شيئاً، ودون أن يترك أثراً مادياً سوى ذلك الشعور الغامر بالامتلاء.
​أشرعُ حينها في البحث عن أي شيءٍ خفيف، أي تفصيلةٍ تافهة تشغلني عنك وتُبقيني مستيقظةً للحظةٍ إضافية قبل أن يبتلعني طيفك. أبحث عن رشفة ماءٍ تبرد غليل الحنين، أو فكرةٍ عابرة تمرُّ ببالي كغيمة صيف، أو أي شيءٍ بسيط لا يجرني إليك، ولا يطالبني بتقديم جردٍ لحسابات الشوق.
​الحقيقة أن وجودك في داخلي ليس نصلًا يمزقني، ولا هو وجعٌ يستدرُّ البكاء؛ بل هو ارتباكٌ لذيذ، وحالةٌ من الذهول تجعل الهواء من حولي أثقل وأبطأ، وتجعل عقارب الساعة أكثر انتباهاً وتأنياً، كأن الزمن يتوقف ليتأمل ملامحك المرسومة في ذهني.
​أحاول جاهدةً أن أكون رقيقةً مع ذكراك، أتعامل معها بحذرٍ وودّ، أمرُّ بجانبها في ممرات ذاكرتي، أمنحها إيماءة احترامٍ صغيرة كغريبةٍ عابرة. ولكن، بمجرد أن أبدي هذا اللطف، تضيق المسافات فجأة، وتخطو ذكراك نحوي خطوةً واثقة، لتضع يدها على موضع النبض في صدري، كأنها طبيبٌ يتفقد حال قلبي، يطمئن عليه بلمسةٍ حانية، ثم يضغط قليلاً.. ضغطةً تذكرني بأنك لا تزال هنا، تحتلُّ هذا الحيز العميق.
​أخيراً، أجلسُ وحيدةً، أحاول أن أجمع شتات نفسي، وألملم بقايا روحي التي تبعثرت طوال النهار، تماماً كما تفعل امرأةٌ متعبة تجمع خصلات شعرها وترفعها عن وجهها بعد عناء يومٍ طويل. وفي ذلك السكون المطبق، أهمسُ لنفسي وللفراغ، دون تذمرٍ ودون شكوى، بل بيقينٍ تام:
​إن غيابك يا سيدي، ليس فجوةً موحشة، بل هو شيءٌ ناعمٌ للغاية، رقيقٌ كالحرير، ولكنه يمتلك مهارةً فائقة في البقاء، وفي تحويل الغياب إلى حضورٍ أبديّ لا يزول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى