
الغد المشرق
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
تُباغتنا الذكريات حين نغرق في تفاصيل الأمس البعيد، تلك المشاهد التي نُقشت في الوجدان ولا تقبل المحو أو النسيان. في تلك اللحظات، يتردد في أعماقنا صوتٌ خفيّ، يمتزج بحنينٍ جارف وأمنياتٍ معلقة، يهمس في مسامع الروح: “ليت تلك الأيام تعود”. ولكن، قف عند كلمة “تعود” وتأمل؛ هل يملك الماضي حق العودة؟ ربما لا يعود الزمان القهقرى، وإن عاد، فإنه يرتدي ثوباً مغايراً وملامحَ مستحدثة، لكنه أبداً لن يسترد تلك الدهشة الأولى ولا التفاصيل التي انقضت كما كانت تماماً. لذا، لا تسمح لظلال الماضي أن تلاحق ضميرك وتستنزف وجدانك في كل حين، بينما تترك قطار الحاضر يمر من أمامك مرة تلو الأخرى دون أن تستقله.
حين تصالحتُ مع “الآن”، تجلى لي الحاضر كأنه بستانٌ مغطىً بالورود اليانعة، فاستحلتُ فيه زهرة ربيعٍ تتنفس الحياة، وغدا زمني فصلاً من الربيع الدائم الذي لا يعرف الذبول. نحن نعيش دائماً في تلك المسافة الفاصلة بين حاضرٍ نعيشه ومستقبلٍ نتشوق لرؤية ملامحه؛ ولو قُدّر لنا أن نكشف الحجاب عما سيأتي، لفقدنا لذة الانتظار وشغف الترقب الذي يحيي الأمل في نفوسنا.
وها نحن نستقبل عاماً جديداً، تلهج القلوب فيه بدعوة موحدة: أن يكون عاماً للسكينة والوئام، عاماً يخلو من شتات الفكر ولوعات القلوب، عاماً تحلق فوقه أسراب العصافير في حلقاتٍ من الفرح الغامر، مبشرةً بسلامٍ يلف الوجود. أيها العام الراحل، لقد كنت لنا ناصحاً أميناً ومدرساً قاسياً أحياناً، عبرت بنا من خلال تجارب كانت في ظاهرها مرعبة، لكنها في جوهرها كانت الحجر الأساس الذي بُنيت عليه قوتنا وصلابتنا في هذه الحياة.
إنها التجارب التي لم تأتِ عبثاً، بل صُهرت لتصنع من الإنسان كياناً لا تكسره العواصف. وعجباً لكِ أيتها الحياة! لِمَ تسبقين الرياح في ركضكِ المستمر؟ نحن في الحقيقة لا نتأمل في مآلات الحياة الفانية فحسب، بل تمتد أبصارنا وبصائرنا إلى ما وراء هذه الحياة، إلى الدار الباقية التي لا تزول، حيث السكينة الأبدية.
لقد صقلت الأعوام الماضية فينا شخصياتٍ جديدة، نضجت لتكون عبرةً ونوراً نهتدي به نحو غدٍ نؤمن يقيناً أنه سيكون مشرقاً. فلتكن خطواتنا التي نخطوها نحو المستقبل مدروسةً بعناية، ولنحرص على أن تتفتح كل خطوة كزهرةٍ نادرة بدقةٍ وإتقان؛ فالدرب نحو الغد حساسٌ جداً، يتطلب منا قلباً يقظاً وروحاً تمسك بزمام الأمل بوعيٍ وحذر.