
بقلم/ محمد فوزي عناني
«أنتم لا تعرفون الحقيقة الكاملة».. جملة بسيطة كان من الممكن أن توقف عاصفة من السباب والتشهير استمرت أياماً، لكنها لم تُكتب، فتحولت حياة إنسان عادي إلى هدف مفتوح لآلاف التعليقات القاسية والأحكام الجاهزة. هذه ليست قصة فردية، بل أصبحت ظاهرة يومية على منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت من فضاء للتواصل إلى ساحة اتهامات تُطلق فيها الشائعات بثقة مطلقة، وكأن «التريند» أصبح بديلاً عن الدليل و«الريتش» غطاءً شرعياً للإساءة.
في زمن يتسابق فيه الجميع ليكونوا «الأول» في نشر الخبر أو التعليق، اختفت قيمة التحقق وغابت فكرة أن الكلمة قد تكسر إنساناً أو تدمر سمعة بنيت سنوات. يكفي أن يظهر فيديو مقتطع من سياقه، أو صورة مفبركة، أو جملة خارج السياق، حتى تنهال الاتهامات بلا تردد: «فاسد»، «كاذب»، «خائن»، «منحل»، وغيرها من الأوصاف التي تُوزّع بسخاء وتُصدَّر لملايين المستخدمين في دقائق.
الأخطر أن جزءاً كبيراً من هذه الحملات يقوده أشخاص يعتقدون – أو يتظاهرون بأنهم يعتقدون – أنهم يؤدون واجباً أخلاقياً أو وطنياً أو دينياً. يرفعون شعارات «كشف الحقيقة» و«محاسبة المجتمع»، بينما هم في الحقيقة يمارسون أبشع أنواع البلطجة الرقمية تحت ستار العدالة الشعبية. والنتيجة؟ أرواح مكسورة، عائلات مهددة، وظائف ضائعة، وأحياناً أرواح فعلية تُزهق بسبب التحريض أو اليأس.
يقول خبراء علم الاجتماع إن هذه الظاهرة ليست جديدة في جوهرها، فالبشر دائماً مالت إليهم فكرة «الإعدام الميداني» لمن يخالفهم الرأي أو السلوك، لكن السوشيال ميديا منحت هذا الميل أجنحة رقمية وجمهوراً عالمياً وسرعة انتشار لم تكن متاحة من قبل. الخوارزميات نفسها تشجع على ذلك؛ فالغضب والاستياء يولدان تفاعلاً أكبر، والتفاعل يعني «ريتش» أكبر، والريتش يعني أموالاً وشهرة لصاحب المنشور، بغض النظر عن صدق ما يقوله أو الضرر الذي يُحدثه.
في المقابل، نادراً ما نرى حملات اعتذار بنفس القوة والانتشار عندما تثبت براءة الشخص المُستهدَف أو تتضح الحقيقة الكاملة. الصفحة التي نشرت الاتهام بآلاف المشاركات غالباً ما تكتفي بتعليق صغير في زاوية مهملة: «تم توضيح الأمر»، أو تحذف المنشور تماماً وكأن شيئاً لم يكن، تاركةً الضحية تواجه تبعات كارثة رقمية لا تمحى.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: متى سندرك أن حرية التعبير لا تعني حرية التشهير؟ ومتى سنتوقف عن منح الجهل والحقد منصة أكبر من الحقيقة والرحمة؟
ربما حان الوقت لنتذكر جميعاً أن كل حساب خلفه إنسان له أهل ومشاعر وكرامة، وأن «اللايك» وال«شير» قد يكونان مشاركة في ظلم لا يغتفر. ففي النهاية، الريتش لا يستحق روحاً مكسورة، والتريند لا يستحق دمعة إنسان.





