أدبأدب وشعرالثقافة والفنونثقافةخاطرةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالات

الرقي الجريح: في حضرة المهذبين و المعذبين

أرواح صقلتها النيران: كواليس الأدب الرفيع ووجع الحساسية المفرطة

بقلم باهر رجب

الرقي الجريح
الرقي الجريح

الرقي الجريح في ممرات الحياة المزدحمة، نلتقي أحيانا بأشخاص يلبسون رداء من اللباقة المفرطة، يمتلكون قدرة مذهلة على انتقاء الكلمات، وهدوءا يمنحك شعورا بالأمان. هؤلاء هم “المهذبون” الذين نغبطهم على رقيهم. لكن، هل سألت نفسك يوما عن الضريبة التي دفعها هؤلاء ليصلوا إلى هذه المرتبة من النبل؟
إن التأمل في وجوه هؤلاء يكشف عن مفارقة صارخة. فخلف كل ابتسامة هادئة وحفاوة بالغة، تكمن ملامح “معذبة” خفية. لم يكن الأدب يوما مجرد قواعد “إتيكيت” تعلموها في الصغر، بل هو في الحقيقة “ندبة” جميلة خلفها وجع قديم، وعملية نحت قاسية قامت بها المعاناة في أعماق أرواحهم.

اقرأ أيضا

الرقي الجريح: حين يكون الأدب درعا

دائما ما يراودنا الفضول لإلقاء نظرة على “كواليس” هذا الجمال الإنساني. لماذا يبدو هؤلاء شديدي الحساسية تجاه مشاعر الآخرين؟ الإجابة تكمن في أنهم اختبروا مرارة الإهمال، أو قسوة الكلمة، أو وخز الخذلان.
المهذب جدا هو شخص يعرف تماما حجم الأذى الذي يمكن أن تسببه كلمة طائشة أو نظرة باردة، لذا يختار أن يكون “بلسما” لأنه ذاق وجع “السم”. إن رقيه ليس ترفا، بل هو قرار واعى بألا يذيق أحدا ما تجرعه هو من مرارة. هنا، يصبح الأدب وسيلة لحماية الآخرين من عالم يعرف هذا الشخص جيدا كم يمكن أن يكون قاسيا.

الوجع كـ “مهذب” للروح

الحقيقة التي نكتشفها عند الاقتراب من هؤلاء هي أن الوجع هو الذي هذب أرواحهم. تماما كما يصقل الماس تحت ضغط هائل، وكما تشكل النيران سبائك الذهب، كذلك تفعل المعاناة بالنفس البشرية.
الألم يكسر الغرور، ويحطم النزعات العدوانية البدائية، ويحل محلها “رهافة” تجعل الشخص يشعر بذبذبات الألم لدى غيره قبل أن يتحدثوا. الحساسية النفسية التي يعانون منها ليست ضعفا، بل هي “رادار” فائق الدقة، طورته الأزمات ليتمكنوا من قراءة ما بين السطور وتحسس مواجع القلوب.

ضريبة الحساسية المفرطة:الرقي الجريح

لكن هذا النبل له ثمن باهظ. الشخص المهذب يعيش في صراع دائم. فهو يحاسب نفسه على الكلمة قبل نطقها، ويقلق من أن يفهم خطأ، ويحمل هم إرضاء من حوله على حساب راحته الشخصية. هم “معذبون” لأنهم لا يملكون جلودا سميكة تحميهم من جفاء الواقع، بل يواجهون العالم بصدور عارية وأرواح شفافة.
إنهم يمتصون طاقة الحزن من الغرفة، ويشعرون بضيق الصديق، ويحاولون ترميم انكسارات الغرباء، وفي نهاية اليوم، يعودون إلى عزلتهم محملين بأثقال ليست لهم، يحاولون مداواة أرواحهم التي أتعبها “الرقي”.

اقرأ هذا

الرقي الجريح: تقدير النبلاء الجرحى

إن الجمال الذي نراه في الشخص المهذب هو في الحقيقة “انتصار” على الألم. لقد استطاع هؤلاء تحويل معاناتهم الشخصية إلى طاقة حب وتفهم، بدلا من تحويلها إلى حقد أو انتقام من الحياة.
في المرة القادمة التي تقابل فيها شخصا يبالغ في لطفه وأدبه، لا تنظر إليه كشخص محظوظ بطباعه، بل انظر إليه كـ “ناجى” من معارك نفسية طاحنة، وكفنان استطاع أن يصنع من حطام أوجاعه تحفة فنية من الخلق الرفيع.
هل صادفت يوما شخصا مهذبا شعرت أن خلف هدوئه حكايات من الصبر؟ سأكون سعيدا لو شاركتني انطباعك عن تلك التجربة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى