أخبارثقافة

التسامح.. قوة ترفض هوان الضعفاء

التسامح.. قوة ترفض هوان الضعفاء

بقلم: إيهاب نجاح جنديه

جريدة الأسبوع العربي الإخبارية

يُعد التسامح أحد أكثر المفاهيم الأخلاقية التباساً في وعينا الجمعي؛ فبينما يراه البعض ذروة السمو الإنساني، يخشى آخرون أن يكون باباً مشرعاً للاستباحة وضياع الحقوق. والحقيقة أن التسامح ليس “شيكاً على بياض” يُمنح للمخطئين، بل هو قرار واعي يتطلبه السلام النفسي وتفرضه الحكمة.

التسامح.. رحلة تحرر للمظلوم

في معناه النفسي العميق، التسامح لا يعني تبرئة الظالم أو نسيان ما حدث، بل هو قرار “بفك الارتباط” مع الألم. عندما تسامح، أنت لا تقدم هدية لمن آذاك، بل تقدم هدية لنفسك بتخليصها من مشاعر الغضب والغل التي تستنزف طاقتك. التسامح هو أن ترفض أن يعيش خصمك في رأسك “مجاناً” عبر ذكريات الألم.

شروط “التسامح الكريم”

لكي يظل التسامح فضيلة ولا يتحول إلى ضعف، يجب أن يستند إلى ركيزتين:

المقدرة: كما قيل “العفو عند المقدرة”. التسامح الحقيقي هو الذي يأتي وأنت قادر على رد الصاع صاعين، لكنك تختار الترفع. أما التسامح من موقع العجز فهو “استسلام” غُلف بعباءة الفضيلة.

الإصلاح: التسامح يكون مثمراً حين يُعطى لمن أدرك خطأه وأبدى ندماً حقيقياً. فالعفو عن المتمادي هو نوع من الإعانة على الظلم، بينما العفو عن المعتذر هو “عفو الإصلاح” الذي يرمم العلاقات.

التسامح والحدود النفسية

يخطئ من يظن أن التسامح يعني العودة إلى ذات العلاقة السابقة بنفس الثقة. هناك فرق جوهري بين “الصفح” و”الثقة”:

الصفح: هو إسقاط حقك في الانتقام أو الكراهية.

الثقة: هي معيار يُبنى بالتدريج، ومن حقك تماماً أن تسامح شخصاً ولكن تضع بينك وبينه “جداراً عازلاً” يحميك من تكرار الأذى.

متى يصبح التسامح “خطيئة”؟

يكون التسامح مدمراً حين يتحول إلى نمط حياة يسمح للآخرين بتجاوز الخطوط الحمراء. إذا كان الثمن هو سحق الكرامة أو التنازل عن الثوابت، هنا ينتهي دور التسامح ويبدأ دور “الحزم”. فالإنسان السوي يسامح ليرتقي، لا لينحني.

ختاماً؛ التسامح هو فن المسافة؛ أن تعرف متى تغفر لتستمر الحياة، ومتى ترفع درعك لتحمي وجودك. هو قوة روحية تجعلنا أكبر من جراحنا، لكنه أبداً لا يعني أن نكون أصغر من كرامتنا. فالكريم يسامح بقلبه، لكنه يحمي حقه بعقله.

بقلم: إيهاب نجاح جنديه

جريدة الأسبوع العربي الإخبارية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى