
الإنسان ليس كائناً… بل مشروعاً .
بقلم / نعمة حسن
السر الذي لم ينتبه له البشر في قوله تعالى: «ونفخت فيه من روحي»
ماذا لو أخبرتك أن أكبر كذبة عاشتها البشرية هي أننا «مخلوقون مكتملون»؟
وماذا لو كان القرآن، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، يضع أمامنا حقيقة لم نجرؤ على التقاطها بعد:
أن الإنسان لم يُخلق ليكون… بل ليصير.
لسنا نتحدث عن دين، ولا فلسفة، ولا تنمية بشرية.
نحن أمام إعادة تعريف جذرية للإنسان نفسه.
فالعلم يصفه كائناً بيولوجياً متطوراً.
الفلسفة تراه وعياً.
المجتمع يعامله رقماً.
أما القرآن الكريم …
فيتعامل معه كمشروع.
وهنا يبدأ الخلل… وهنا يبدأ السر.
اولاً_
لماذا فشل الإنسان رغم أنه انتصر علمياً؟
ثانياً _
لماذا نعيش عصر الذكاء الاصطناعي ويزداد الاكتئاب؟
ثالثاً _
لماذا نمتلك المعرفة ويزداد التيه؟
رابعاً _
لماذا تقدّمت الأدوات… وتراجع الإنسان؟
وإجابتي على هذه التساؤلات باختصارعزيزي القاريء
وببساطة شديدة ..
لأننا طوّرنا كل شيء… إلا الإنسان نفسه.
بنينا المدن، واخترعنا الآلات، وسرّعنا الزمن…
لكننا تركنا المشروع الأساسي دون تشغيل: الإنسان.
وهنا المفارقة الصادمة:
الحضارة اليوم ليست في أزمة موارد… بل في أزمة تعريف.
ولو امعنا التدبر في الاية الكريمة والعظيمة
والمفصل القرآني الذي غيّر كل شيء
قال تعالى:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾
فالعقل البشري تعامل مع هذه الآية عاطفياً… لا بنيوياً.
قرأها كتشريف… لا كنظام تصميم.
فدعنا عزيزي القاريء نقرأها بعيون مختلفة:
سوّيته = أكملته
نفخت فيه = شغّلته تلقائياً
النفخ هنا ليس إعلان نهاية… بل بداية إمكانية.
بمعنى أدق:
الله لم يقل: “فصار إنساناً”.
بل قال: نفخت فيه.
أي: وضعت فيه قابلية… لا نتيجة.
زرعت فيه إمكان… لا إنجاز.
وهنا الحقيقة التي لم تُقل بهذه الصيغة من قبل:
الإنسان في القرآن ليس حالة… بل قابلية.
ليس منتجاً… بل مشروعاً.
ليس نتيجة… بل عملية.
وهذا أخطر تحول في فهم الإنسان.
وهنا اتسأل :
لماذا الإنسان وحده «غير مكتمل»؟
انظر إلى الكون:
الذرة ..تؤدي وظيفتها.
الكوكب ..يسير في مداره.
النجم ..يحترق في مساره.
الحيوان ..يؤدي دوره.
أما الإنسان : فوحده يملك خيار الإنحراف عن تصميمه.
لا بشيء الا بالعقل الذي ميزه به المولى جل وعلا عن سائر المخلوقات.
وهنا التفوق… وهنا المأساة.
الإنسان ليس مبرمجاً… بل قابل للبرمجة.
ليس محكوماً… بل مخيّراً.
ليس منتهياً… بل مفتوح.
وقد ميزه بالعقل وكرمه فأهداه القرآن الكريم به المعجزات إلى قيام الساعة متجددا في الإعجاز مفتوحاً ومتناسباً بما يصل إليه من تطور فكر ..علم ووعي .. وبما يناسب كل مرحلة يفتح له الهاماً من القرآن في صورة إعجاز .
ولهذا قال تعالى:
﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها… وحملها الإنسان﴾
الأمانة هنا ليست عبادة فقط…
الأمانة = إدارة الذات.
أي: أن تكون مسؤولاً عن مشروعك الداخلي بكل ما فيه من خفايا نفس ونوايا وضمير وفكر .
والأكيد أن :
العلم يكتشف… والقرآن يسبق
فالعلم الحديث يقول:
الدماغ : قابل لإعادة التشكيل (Neuroplasticity)
الهوية : تتكوّن ولا تُورث
السلوك : يُعاد بناؤه
الشخصية ليست ثابتة
فالعلم يحتفل بالاكتشاف…
والقرآن كان يصف الطبيعة.
قال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
تزكية = بناء
دس = طمس
أي أن النفس قابلة للتشكيل.
العلم يشرح الآلية…
والقرآن كشف القابلية.
وهنا التقاء نادر بين الوحي والعلم دون تصادم ولا تزييف.
( أخطر تشخيص في عصرنا)
نحن لا نعاني من:
فقر فقط
ولا جهل فقط
ولا تخلف فقط
نحن نعاني من شيء أعمق:
نحن نعيش أقل من تصميمنا.
الإنسان الوحيد في الوجود الذي لا يعيش على مقاسه الحقيقي.
ولهذا نشهد:
إنسان يملك كل شيء… ولا يملك نفسه.
إنسان يعرف كل شيء… ولا يعرف لماذا.
إنسان وصل لكل مكان… ولم يصل لذاته.
هذه ليست أزمة جيل…
هذه أزمة تعريف.
وهنا أقف عاجزة أمام تجلي كلمات المولى جل وعلا واتسأل
لماذا قال الله «خليفة»؟
قال تعالى:
﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾
الخليفة ليس مقيماً…
الخليفة مكلف.
الخليفة لا يستهلك الحياة…
الخليفة يدير الحياة.
وهنا اجد الحقيقة :
الإنسان لم يُخلق ليعيش… بل ليؤدي مهمة.
نحن نحيا ككائنات…
بينما صُممنا كوظيفة كونية.
لإجد الحل الحقيقي (وليس الوعظي)
الحل ليس خطبة.
ولا دورة تنمية.
ولا تحفيز لحظي.
الحل الحقيقي :
هو إعادة تفعيل الإنسان.
كيف؟
أولاً _
تفعيل العقل وهو ما أمرنا به الله عز وجل أعمال العقل
وهو ليس بالحفظ…
بل بالسؤال.
ليس بالتلقين… بل بالتفكير.
قال تعالى:
﴿أفلا يتدبرون﴾
ولم يقل: أفلا يحفظون.
إنه إعمال العقل ياسادة
ثانياً_
تفعيل الروح
ليس بالطقس… بل بالصلة.
ليس بالشكل… بل بالمعنى.
ليس بالمظهر .. بالجوهر
ثالثاً _
تفعيل الدور
أن تعرف لماذا أنت هنا… قبل أن تسأل ماذا ستأكل.
وهنا المعادلة الخطيرة:
من عرف دوره… استقام تلقائياً.
ومن جهله… تاه مهما امتلك.
وهنا تصديقاً لقوله تعالى :
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)
نحن الجيل الأول في التاريخ
الذي يملك كل الأدوات…
ويعيش بلا معنى.
لم نُهزم لأننا ضعفاء…
بل لأننا نسينا من نحن .
الإنسان ليس لغزاً يحتاج تفسيراً…
الإنسان رسالة تحتاج تفعيل.
ولم يُخلق ليُفهم…
بل ليُنجز.
ومن فهم نفسه…
سبق عصره.
ومن فعّل ذاته…
غيّر العالم.
إن أخطر كذبة عشناها أننا “مكتملون”.
والحقيقة؟
نحن قابلية… لا نتيجة.
الله لم يقل: “فصار إنساناً”
بل قال: «نفخت فيه من روحي»
أي وضعت فيه إمكانية… لا نهاية.
نحن الجيل الذي يملك كل شيء…
ويعيش بلا معنى.
لم نُخلق لنعيش…
بل لنؤدي مهمة.
ومن فهم نفسه…
سبق عصره.
وفي الاخير …
اتمنى ان اكون اصبت وأوضحت فإن اخفقت فهذه محاولة وان اصبت فبتوفيق من الله والله خير حافظا لي ولك عزيز القاريء..
مع تحياتي …





