اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفل

الأبناء… ضحايا حروب لا يعلنها الكبار

الأبناء… ضحايا حروب لا يعلنها الكبار

بقلم: خالد مراد

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح،
بعضها يُخاض في غرف المعيشة،
خلف أبواب مغلقة،
وتحت سقف بيت واحد.

هناك، حيث لا كاميرات،
ولا بيانات رسمية،
ولا هدنة إنسانية…
تُدار معارك صامتة،
وقودها ليس الجنود،
بل الأطفال.

عندما يختلف الكبار،
يتحدثون عن الكرامة،
عن الحقوق،
عن الإهانة،
عن من أخطأ أولًا…
لكن قلّما يتحدث أحدهم عن الطفل
الذي يقف في المنتصف
كأرضٍ تتنازعها الجيوش.

الطفل لا يفهم القوانين،
ولا يعرف من الظالم ومن المظلوم،
لكنه يفهم شيئًا واحدًا:
أن الأمان الذي كان ينام فيه… انكسر.

يستيقظ على أصوات مرتفعة،
على وجوه متجهمة،
على صمت ثقيل في البيت،
ثم يُطلب منه فجأة أن يختار:
مع من تقف؟
من تحب أكثر؟
من ظلم الآخر؟
أي قسوة هذه التي تجعل قلبًا صغيرًا
محكمةً للنزاع؟
الأب يظن أنه يعاقب الأم،
والأم تظن أنها تنتصر لكرامتها،
وكلٌ منهما ينسى
أن الطفل ليس رسالة ضغط،
ولا ورقة تفاوض،
ولا وسيلة انتقام مؤجلة.

حين يُستخدم الأبناء في الصراع،
لا يخرج أحد منتصرًا…
يخرج فقط جيلٌ مثقل بالخوف،
مرتبك في الحب،
يشك في الاستقرار،
ويتعلم أن العلاقات ساحات قتال،
لا مساحات أمان.

الطفل الذي يُجبر على كراهية أحد والديه،
لا يكبر سويًا…
بل يكبر بنصف قلب،
ونصف ثقة،
ونصف قدرة على الطمأنينة.

والمأساة أن الكبار ينسون،
يتزوجون من جديد،
يبدأون حيوات أخرى،
لكن الطفل يحمل آثار المعركة داخله سنوات،
على شكل قلق،
أو غضب،
أو خوف من الارتباط،
أو برود عاطفي لا يعرف سببه.

ليس الانفصال هو الكارثة،
ولا الخلاف جريمة،
فالبيوت قد لا تستمر…
لكن الإنسانية يجب أن تستمر.
الكارثة الحقيقية
أن نُسقط غضبنا على من لا ذنب له،
أن نحوّل الأبناء إلى جبهة قتال،
وأن ننسى أن قلوبهم ليست دروعًا تتحمل الرصاص.

الأب العظيم ليس من ينتصر على زوجته،
والأم القوية ليست من تكسر الأب أمام أبنائه،
بل العظيمان حقًا
هما من يختلفان دون أن يدمّرا،
ويفترقان دون أن يحرّضا،
ويحميان قلب طفل
من حرب لم يخترها.

لأن الطفل لا يحتاج أبوين مثاليين…
بل يحتاج قلبين ناضجين،
يعرفان أن أكبر انتصار بعد الخلاف
هو أن يخرج الصغير سليمًا من المعركة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى