
.(اغتيال المفتش)
بقلم /حسن عبد السلام
فى حوار دارمي بين الخديوي إسماعيل وشقيقه في الرضاعة يوم 10 نوفمبر 1876. أغرقت مياه النيل جثة إسماعيل صديق، المعروف بلقب “المفتش”، وزير المالية في عهد الخديوي إسماعيل. لم يكن هذا الحدث مصادفة، بل قمة درامية لصراع مالي وسياسي أشعلتها أزمة الديون المصرية، التى نجحت بريطانيا فى صناعتها لتحكم قبضتها على مصر عام 1882 حيث قررت إنجلترا وفرنسا فرض رقابة ثنائية على مصر. يروي الكاتب إلياس الأيوبي في مجلده “تاريخ مصر في عهد إسماعيل” تفاصيل مذهلة: الخديوي يأمر أبناءه توفيق وحسن وحسين بتجهيز مركب بخارية عند مرسى سراي الجزيرة، ويعلن اجتماع المجلس الخاص الساعة 11 صباحاً.ولد “المفتش” عام 1830 في أسيوط، في السنة نفسها ميلاد الخديوي إسماعيل، وكانا شقيقين في الرضاعة حسب الدكتور جمال عبدالرحيم في كتابه “إسماعيل صديق المفتش: رجل الأزمات ضحية الوشاية”. صعد المفتش إلى منصب مفتش عموم مصر ثم ناظر المالية، لكنه أصبح هدفاً لكراهية أبناء الخديوي بسبب رفضه الرقابة الأجنبية.روايات متضاربة عن الشخصية والثراءتختلف الآراء حول “المفتش”. يراه عبدالرحيم شخصية وطنية بارزة، “الخديوي الصغير” الذي لعب دوراً مؤثراً في تاريخ مصر. أما عبدالرحمن الرافعي في “عصر إسماعيل” فيصفه بـ”الثري الفاحش الذي قلد مولاه في البذخ والإسراف، وسبب استدانة الحكومة 80 مليون جنيه”. وفي مذكرات نوبار باشا، مستشار الخديوي: “كان ذكياً رفيع المستوى، لكنه يخلط الجيد بالرديء، مثل طفل يعذب عصفوراً ويندهش من ارتجافه”.سيناريوهات الاغتيال: خدعة الاستقالة والنزهة القاتلةتنقل الروايات تفاصيل الجريمة. حسب نوبار، استغل الخديوي نوبات سكر المفتش ليوقع على استقالة تهاجم الخديوي نفسه. ثم دعاه صباحاً لـ”نزهة” إلى الجزيرة. رواية أخرى: جمع الباشوات في سراي عابدين، وترك المفتش وحيداً. ناداه الخديوي: “تعالَ، إن والدة حسن مريضة”. في الجزيرة، أمر ابنه حسن: “اصطحبه إلى الزورق عند المراسي”. بكى المفتش طالباً العفو، لكن الجنود أخذوه.عاد الخديوي لعقد المجلس برئاسة توفيق، الذي أعلن الاستقالة وطالب بنفي المفتش إلى السودان. قدم الخديوي مستندات مزورة تحرض ضد الوالي والمسيحيين. ثم استعجل ضابطاً يدعى إسحاق بك لاستلام الختم.شهادة إسحاق: التعذيب والإلقاء في النيلينقل الأيوبي رواية إسحاق: “وجدت الأمير حسن عند باب الحجرة، والمفتش عارياً في الركن. همس لي: ‘نقله إلى الباخرة إلى دنقلا، إلا إذا مات قبل ذلك'”. ألقى إسحاق المفتش على ظهره، كمّم فمه، وسحق خصيته. قاوم المفتش بعنف، عض إبهام إسحاق، لكنه مات. لُفّت الجثة في قماش، نُقلت إلى الباخرة، ورُميت في النيل بعد الروضة.لتنتهي هذه الدراما بظلالها على تاريخ مصر، حيث يبقى “المفتش” رمزاً للصراع بين الوطنية والفساد في عصر الديون





