
بقلم/ د. محمود جمعه الصاوي
إن عملية زراعة الأعضاء كانت تشغل الإنسان منذ زمن، ففي عام 1907 أعلن الباحث الطبيب الأمريكي سايمون فلكسنر الذي أعلن في بحثه “الاتجاهات في علم الأمراض” في جامعة شيكاغو أنه من الممكن مستقبلا استبدال الأعضاء البشرية المريضة عن طريق الجراحة، بما في ذلك الشرايين والمعدة والقلب والكلى.
ثم نجح عالم الأمراض السوفيتي نيقولاي سينيتسين في نقل قلب من ضفدع الى ضفدع آخر، ومن كلب الى كلب آخر، ليفتح الباب على مصراعيه لمثل هذه العمليات فيقوم جمس هاردي بنقل قلب شمبانزي في صدر مريض، ولكنه توفى بعدها بـ 90 دقيقة.
وظلت محاولات الأطباء مستمرة إلى أن جاء يوم ٦ يناير ١٩٦٨ أجرى نورمان شومواي -الذي يعد الأب الروحي لزراعة القلب في العالم- أول عملية زراعة قلب للكبار في مستشفى جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الحين توالت عمليات نقل قلب إنسان الى إنسان آخر؛ وبسبب صعوبة وجود متبرعين بالقلب -بعد وفاتهم- وزيادة أعداد المرضى المحتاجين لزراعة القلب، أدى إلى محاولات زرع قلوب غير بني الإنسان إلى الإنسان.
ومنذ عام ١٩٩٣ بدأ نقل الأعضاء من الكائنات الحية الأخرى والقلوب الاصطناعية التي من صنع الإنسان إلا أنها بدائل أقل نجاحاً.
إلى أن جاء عام ٢٠٢٢ ليجري علماء جراحة القلب زرع قلب خنزير في صدر إنسان، وهم لهم منطقهم العلمي والبيولوجي في ذلك، ولكن السؤال هنا: هل وظيفة القلب هي ضخ الدم فقط كما كان يعتقد الأطباء سابقاً؟ فلقد أثبتت الدراسات الحديثة أن للقلب دماغ يتكون من ٤٠,٠٠٠ ألف خلية عصبية أي ما نسميه “العقل” وهو الذي يقوم بتوجيه الدماغ لأداء مهامه، ففي عام ٢٠١٢ و٢٠١٤ عقد مؤتمران دوليان في باريس تحت عنوان “القلب والمخ” وثبت أن القلب به نويّات وعقد ودوائر عصبية داخله وخارجه، وأن هذه التركيبات لها وظائف إدراكية ووجدانية ومعرفية، وأنها تمثل مخاً صغيراً في القلب، له منطقه ولغته الخاصة يقوم بالترميز ومعالجة المعلومات، كما أنه، تربط بين القلب والمخ دوائر عصبية وأن القلب يؤثر في المخ ويتأثر به، بل إن تأثير القلب على المخ يكاد يكون أكبر. وأن للقلب ذاكرة خاصة تحفظ الذكريات والمشاعر، وتجعله يتصرف بسرعة عند استشعار الخطر دون أن يرسل إشارة الى المخ وينتظر الرد.
أليس هذا مدعاة أن ننظر بمزيد من الروية إلى عملية زرع قلب خنزير في صدر إنسان؟!
ونجد أن القرآن الكريم أخبرنا قبل هذه الدراسات والأبحاث أن العقل محله القلب، فلم يذكر الله عز وجل لفظ العقل صراحة في القرآن وإنما جعل القلب وسيلة نعقل بها، وأذكر بعض الآيات على سبيل المثال: قال تعالى “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46) فنجد الله عز وجل في هذه الآية حدد وظيفة كل عضو ذكره فكانت وظيفة الأذن السمع، ووظيفة العين الإبصار، أما القلب فكانت وظيفته العقل.
ولم يتوقف القرآن عند هذا الحد، بل جعل الادراك أيضاً من مهام القلب، وكذلك القسوة واللين كما في الآيات التالية: قال تعالى: “وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا” (الأنعام: ١٧٩) وقال تعالى: “ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۚ”(البقرة: 74)
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”. ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث وابصة: “فجمع أصابعه الثلاثة فجعل ينكت بها في صدري ويقول: يا وابصة استفت قلبك. البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك”.
وهذه كلها أدلة دامغة من القرآن والسنة النبوية على أن العقل محله مركز القلب.
ومن كل ذلك نستنتج أن للقلب وظيفة نفسية أخرى مع وظيفته العضوية وهي الإدراك، والتذكر، والمعرفة، والوجدان، وكذلك التأثير على المخ في اتخاذ القرار والمشاعر.
وهنا يحق لنا أن نسأل عن تأثير زراعة قلب خنزير في صدر إنسان على الوظائف النفسية للقلب؟
والذي يتفرع منه بعض الأسئلة الفرعية وهي:
- هل يتأثر إدراك الإنسان عند زرع قلب خنزير في صدره؟
- هل تتأثر الوظائف المعرفية للإنسان عند زرع قلب خنزير في صدره؟
- هل يتأثر وجدان الإنسان عند زرع قلب خنزير في صدره؟
وما يدعم حاجتنا إلى معرفة إجابة لهذه الأسئلة وإلى مزيد من البحث في هذه النقطة، تلك الشواهد التي لوحظت على بعض المستقبلين (الذين زرعوا قلب من إنسان إلى آخر) من تغيرات في سلوكهم، ومثالا على ذلك: ما ذكره فهد عامر الأحمدي في جريدة الرياض (٢٧ أغسطس ٢٠٠٥، العدد ١٣٥٧٨) بعنوان “هل تنتقل العواطف مع القلوب المزروعة” فقال: (حسب صحيفة Arizona Daily Star في ٢٧ فبراير ٢٠٠٥) أن هناك طالبة تدعى جايمي (٢٨عاما) خضعت لعملية نقل قلب من متبرع مجهول، وبعد العملية أصبحت شغوفة بالمباريات الرياضية وتناول الطعام المكسيكي وفي المقابل أصبحت تكره الرسم والفنون والطعام الإيطالي التي أحبتها منذ طفولتها. وعندما سمحت السلطات في ولاية أريزونا بمعرفة معلومات عن المتبرع في حال موافقة عائلته -كان القانون يمنع ذلك- عندئذ علمت جايمي بأن القلب المزروع داخلها يخص لاعب كرة قدم يدعى سكوت فيليب لعب ضمن فريق جامعة كنساس وكان مغرماً بممارسة الرياضة وتناول الطعام المكسيكي.
وذكر أيضاً حكاية رجل يدعى (بيل وهلي) تعرض لعملية نقل قلب فتغيرت حياته جذريا، فقبل العملية كان رجل أعمال بخيلاً لا يهتم بالأعمال الخيرية ولا يمارس الرياضة ولا يتابع أخبارها، إلا أنه تغير تماماً بعد العملية فأصبح أكثر كرماً ونبلاً ويبدي اهتماماً بالمعاقين، كما أصبح عاشقاً للسيارات الرياضية ويبكي حين يسمع ألحان المغنية Sade التي لم يسمع بها من قبل، والأغرب من ذلك أنه كان يشعر بأنه تلقى قلب شاب توفى في حادث سيارة، وبعدما سأل عن المتبرع وجد أنه شاب يدعى ميشيل برادي يعمل لدى استوديوهات يونفرسال كممثل بديل وتوفي بسبب انقلاب سيارته أثناء تصوير أحد المشاهد الخطيرة. والغريب أكثر أن شقيق المتوفي أخبره أن شقيقه كان يعشق أغاني Sade ويبكي عند سماعها.
وهناك كثير من البرامج والقنوات الأجنبية التي أعدت تقارير لحالات مثل هذه اعترف فيها أصحابها بأنهم يرون ذكريات تخص المتبرعين المتوفين.
كل هذه الشواهد والدلائل تضعنا أمام معضلة كون عملية نقل قلب خنزير إلى الإنسان قد يكون له أضرار عقلية أو وجدانية خطيرة.
فمما لا شك فيه أن نجاح مثل هذه العمليات سوف يكون نجاح طبي عملاق، وسيفتح لنا الباب لنقل أعضاء أخرى غير القلب مثل الكلى والمعدة والكبد، وسيعطي آمالاً لأناس من الألم سئمت الحياة، ويجدد أحلامهم، وسيقضي على قوائم انتظار الموت لعدم وجود متبرعين، أو أن هناك بعض الأديان تحرم نقل العضو من إنسان الى آخر، ناهيك عن سهولة الحصول على هذا الحيوان، فمن الممكن تربيته بكثرة للاستخدام الطبي؛ إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة، فالأمر يحتاج الى تكاتف علمي من تخصصات عدة وهم علماء جراحة القلب، وعلماء الطب النفسي، وعلماء النفس، لإجراء مزيداً من الدراسات والبحوث لمعرفة أثر هذه العملية على عقل الإنسان ومخه، وأن يعملوا معاً بشكل تكاملي.
فليست العبرة أن تكون على قيد الحياة، وإنما العبرة كيف تحيا هذه الحياة؟ أن تحيا بقلب سليم، أم تحيا بقلب خنزير.





