
أثقال قلب
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
هل تظن حقاً أن نبضات الحياة تستمر بوتيرتها الرتيبة حينما يحلّ الفراق ضيفاً ثقيلاً على الروح؟ إن الإجابات على هذا السؤال لا تخرج من الأفواه، بل تنضح بها الملامح المنكسرة؛ فهي تتأرجح بين نفيٍ ظاهري يُجمل القبح، وإثباتٍ خفيّ يمزق الوجدان. وحده الحديث الذي يولد من رحم الأوجاع يعكس الحقيقة العارية؛ تلك الطعنة التي تأتي من يدٍ كانت يوماً الملاذ، والخيانة التي لا يبرئها طبّ ولا يداويها زمن، هي كؤوسٌ مرّة من الخذلان تجرعناها قسراً، حتى لم نعد بعدها كما كنا، كأن شيئاً في جوهرنا الإنساني قد انكسر للأبد.
ما أقسى أن تبني مدناً من الأحلام على وعودٍ بالبقاء الأبدي، لتستيقظ فجأة على حقيقة صاعقة أنك لم تكن سوى مقامرٍ خاسر في لعبة رهانٍ لم تكن تملك من أوراقها شيئاً. تدرك حينها أن خطيئتك الكبرى كانت طيبة قلبك التي اقترفتها يداك بلا رحمة تجاه نفسك. فجأة، تتحول تلك الحياة التي رسمتها بجوار من تحب إلى مسرحية سيرك بائسة، رخيصة المشاعر، خالية من المعنى، حيث يختفي الجمهور وتبقى أنت وحيداً فوق خشبة الخيبة.
أقف أمام أوراقي والمداد يرتجف: عماذا أكتب؟ هل أصف ذلك السحر الفتّان في عينيه، اللتين كانتا بوصلتي نحو التيه والضياع الجميل؟ أم أتحدث عن قلبه الذي كان يوماً حدود وطني وملاذ غربتي؟ هل أكتب عن حبي الذي فاق المدى، أم عن قلمي الذي جفّت عروقه حزناً؟ هل أسرد تفاصيل تلك اللحظات الدافئة عند الغروب، وحرارة تلويحه بالوداع التي حرقت كفي، أم أكتب عن ذلك السراب الذي طاردته طويلاً وظننته يقيناً؟
يا لهذا الفقد! إنه كالفأس التي تهوي على جذور الشجرة الضاربة في عمق الأرض، يقتلع الأمان من جذوره ويخنق النبض في مكمنه. لذا، ومن قلب هذه التجربة المريرة، أهمس في آذانكم: لا تُسلموا زمام قلوبكم بالكامل، حكّموا العقول قبل العواطف. لا تفرطوا في العطاء حتى لا تفرغ مخازن أرواحكم، واتركوا دائماً طريقاً للرجوع، ومساحة أمانٍ تقيكم شرّ الانكسار. إن السقوط من قمم التوقعات مخيفٌ وموحش، تماماً كألم المدمن وهو يحاول انتزاع السموم من جسده في أول ليلة من ليالي الخلاص.
علينا أن نعترف: الحياة ليست عادلة دوماً. إنها قادرة على رميك في قلب الفخاخ المنصوبة ببراعة، في شراك الخداع وزنازين الجحيم النفسي، وإن لم تتسلح بالحذر والوعي، فعلى سلامك الداخلي السلام. لقد مرت عليّ ليالٍ كنت أروي فيها وسادتي بدموعٍ حارقة، حتى استحال ذلك الدمع شجيرات من الحزن نبتت في صدري، وأثقلت كاهلي، وأصبحت كوابيساً تطاردني كلما حاولت الهروب نحو النوم.
ولكن، عندما يطفح الكيل ويبلغ الألم مداه، يحدث شيءٌ ما بداخلنا. الشخص الذي يُجرح بعمق لا يعود أبداً إلى سابق عهده، بل يولد من جديد بشخصية أكثر صلابة، وإن كانت تسكنه مقبرة من الذكريات الأليمة. الحياة مدرسة قاسية، لا تعطيك الدرس ثم تختبرك، بل تلقي بك في أتون الاختبار أولاً، ومن حرارته تتعلم الدرس الذي لا يُنسى.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً في سماء الحيرة هل يمكن للنبض أن يعود بجلاله بعد أن فارق القلب وسكنه الجمود؟ وهل كل قلبٍ كسرناه أو خذلناه يستحق حقاً فرصة ثانية للغفران، أم أن بعض الدروس ثمنها هو الوداع الأخير؟





